قال الجنيد رحمه الله: لو أقبل صديق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، فأما عذابه في الدنيا فبسلب الصدق والرد على باب الطلب وإرخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الإخلاص بالرياء، والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه، وأما عذابه في الآخرة فباشتعال نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
{وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 74] يشير إلى أن من ابتلي برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الأرض بالمشايخ وأرباب الولاية وهو يتمسك بذيل إرادتهم غير أن شيخه رده لا يمكن لأحدهم إعانته وإخراجه من ورطة الرد إلا ما شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن آفة حب الدنيا والركون إليها بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [التوبة: 75] إلى قوله: {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78] {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ} تشير إلى أن نفوس المنافقين مستدعية في أصل الخلقة لنقض العهد مع الله تعالى وأخلاق الوعد والخيانة في الأمانة والكذب كما نطق بها الحديث إنها تعد المنافق بالصلاحية والسخاوة، وحمل أعباء الشريعة على خلاف طبعها وجبلها حرصاً على الدنيا واستيفاء شهواتها، وأنها لا توفي بما وعدته.
وإن المنافقين صنفان: صنف معلن الإسلام مستتر الكفر في بدء الأمر وذلك لغلبات صفات النفاق وقوتها في النفس، فيظهر بالفعل ما كان بالقوة وذلك لضعفها في النفس، فيعقبهم النفاق إلى الأبد بالسلوك الواقع في قلوبهم، وهم عن هذا النوع من النفاق غافلون وهم يصومون ويصلون ويزعمون أنهم مسلمون كما نطق به الحديث:"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم".