وقال تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] الحبيب لا يرضى من الحبيب بشيء دونه، وأيضاً ورضوان من الله أكبر؛ لأنه من صفاته وما دونه من أفعاله والأفعال محدثة والصفات قديمة، {ذلك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] ؛ لأنه هو الفوز بصفات الله العظيم.
ثم أخبر عن الجهاد مع أهل العناد بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] يشير إلى القلب الذي له بناء من مقام الأنبياء، ويأمره بالجهاد مع كفار النفس وصفاتها، وهذا مقام المشايخ أن يجاهدوا مع نفوسهم أو نفوس مريديهم كما قال صلى الله عليه وسلم:
"الشيخ في قومه كالنبي في أمته"فأمر بالجهاد مع كافر النفس وصفاتها بسيف الصدق، فجهاد النفوس بمنعها عن شهواتها واستعمالها في حمل الشريعة على اخلاف الطبيعة، فالنفوس بعضها كفار لم تسلم أي: لم يستسلموا للمشايخ في تربيتها في هداها بالدعوى إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبعضها المنافقون وهم الذين أدعوا الإرادة والاستسلام إلى المشايخ في الظاهر، ولم يوفوا بما عاهدوا عليه فجهادها بإلزامها مقاساة شدائد الرياضات في التزكية على متمثل أمر الشيخ ونواهيه ولو يرى عليها الإباء والامتناع فلا يفنيها إلا التشديد والغلظة.
كما قال تعالى: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] فالواجب عليه أن يبالغ في مخالفاتها ومؤاخذتها في أحكام الطريقة، فإن فاءت إلى أمر الله فهو المراد وإلا استوجبت لما خلقت له، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [التوبة: 73] أي: مرجعهم جهنم البعد ونار القطيعة، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] مرجعهم.