شديد من قِبلِ حفْظِهِ ، وقد حكيَ عن أهلِ المدينةِ أنهم جعلوها من سنتين.
وأن أوَّلها ذو القعدةِ ، ثم ذو الحجَّةِ ، ثم المحرَّمُ ، ثم رجب ، فيكونُ رجب
آخرَها.
وعن بعضِ المدنيينَ أنَّ أوَّلها رجب ، ثم ذو القعدةِ ، ثم ذو الحجَّةِ ثم
المُحرَّمُ.
وعن بعضِ أهلِ الكوفةِ أنها من سنةٍ واحدة ، أولها المحرَّمُ ، ثم
رجبٌ ، ثم ذو القعدة ، ثم ذو الحِجَّةِ.
واختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحرُم أفضلُ ، فقيل: رجب ، قاله بعض الشافعيةِ ، وضعَّفَه النوويُّ وغيره.
وقيل: المُحَرَّمُ ، قاله الحسنُ ، ورجَّحَه النوويُّ.
وقيل: ذو الحِجَّة ، رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وغيره ، وهو أظهرُ ، واللَّهُ أعلمُ.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ الزَّمان استدَارَ كهيئِتِه يوم خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضَ ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا"
مُرادُهُ بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء ، كما قال
تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
وقد اختُلِفَ في تفسيرِ النَّسيء ، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ
الأشهرِ الحُرُم بغيرِها من الأشهرِ ، فيحرِّمُونها بدلها ، ويحلُّون ما أرادوا تحليلَه
من الأشهرِ الحُرُم إذا احْتاجُوا إلى ذلك ، ولكن لا يزيدونَ في عددِ الأشهر
الهلالية شيئًا.
ثم من أهلِ هذه المقالةِ من قال: كانوا يُحلُّون المُحرَّمَ فيستحلون
القتالَ فيه ؛ لطول مدَّة التَّحريم عليهم بتوالي ثلاثةِ أشهرٍ مُحرَّمةٍ ، ثم يحرِّمونَ
صفَرًا مكانَهُ ، فكأنَهم يقترضونَه ثم يوفونَه ، ومنهم من قال: كانوا يحلُّون
المُحرَّمَ مع صَفَرٍ من عامٍ ويُسمُّونَهما صفَرينِ ، ثم يحرِّمُونهما مم عام قابل