وقالتْ طائفةٌ: لا يجوزُ تمكينُ الكافرِ من دخولِ المساجدِ بحالٍ ، وهذا هو
المرويُّ عن الصحابةِ ، منهم: عمرُ ، وعليٌّ ، وأبو موسى الأشعريُّ ، وعن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ ، وهو قولُ مالكٍ ، والمنصوصُ عن أحمدَ ، قال: لا يدخلونَ المسجدَ ولا ينبغي لهم أن يدخلُوهُم.
واستدلُّوا بقولِ اللَّهِ تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) .
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّ الكفارَ لا يُمكنونَ من دخولِ المساجدِ ، فإنْ دخلوا
أُخيفُوا وعُوقِبوا ، فيكونونَ في حالِ دخولِهِم خائفينَ من عقوبةِ المسلمينَ لَهُم.
وقد رُوي عن عليٍّ ، أنَه كان على المنبرِ فبَصُرَ بمجوسي ، فنزل وضربَه
وأخرَّجَه.
خرَّجه الأثْرَمُ.
وعلى هذا القولِ ، فأحاديثُ الرخصةِ قد تُحمَلُ على أنَّ ذلك قبلَ
النهي عنه ، أو أنَّ ذلك كانَ جائزًا حيث كان يحتاجُ إلى تألفِ قلوبِهِم ،
وقد زالَ ذلكَ.
وفرَّقتْ طائفةٌ بين أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الحربِ ، فقالُوا: يجوزُ إدخالُ أهلِ
الذِّمَّةِ دونَ أهلِ الحربِ ، ورُوي عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وقتادةَ.
وروى عبدُ الرزاقِ ، عن ابنِ جُريج: أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابرَ
بنَ عبدِ اللَّه يقولُ في قولِه تعالى:(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْربوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، قال: إلا أن يكون عبْدًا أو أحدًا من أهلِ
الذَّمَّة.
وقَد رُويَ مرفوعًا من روايةِ شريكٍ: ثنا أشعثُ بن سوَّار ، عن الحسن ، عن
جابرٍ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"لا يدخلْ مسجدَنا هذا مشركٌ بعدَّ عَامِنَا هذا ، غَّيَر أهلِ الكتابِ وخدمِهِم".
خرَّجه الإمامُ أحمد.
وفي روايةٍ له:"غيرَ أهلِ العهدِ وخدمِهِم".