أنتم - إذن - خلائف الأرض ؛ تنفعل لكم الأشياء بقدر ما أراد الله أن تنفعل لكم ، فإذا سلب انفعلها عنكم فلكي يثبت أنكم لم تسخروها بقدراتكم ، بل به هو ، إن شاء أطلق الخلافة ، وإن شاء قيد الخلافة ، وإن شاء قيد الخلافة . {رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}
كأن من الخلافة أننا لا نكون متماثلين متطابقين ، بل أراد سبحانه أن نكون متكاملين في المواهب ، وفي الكماليات ؛ لأن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب ، لفسدت الحياة ، فلابد أن تختلف مواهبنا ، لأن مطلوبات الحياة متعددة ، فلو أصبحنا كلنا أطباء فالأمر لا يصلح ، ولو كنا قضاة لفسد الأمر ، وكذلك لو كنا مهندسين أو فلاحين . إذن فلابد من أن تتحقق إرادة الله في قوله سبحانه: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ...} [الأنعام: 165]
أي أن البعض قد رُفِعَ ، والبعض الآخر رُفِعَ عليه ، فمن هو البعض المرفوع؟
ومن هو البعض المرفوع عليه؟ . إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه ، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه ؛ لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون ، ولا ينشأ التكاتف تفضلاً ، وإنما ينشأ لحاجة ، فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطراراً ، وهذه هي هندسة المكون الأعلى سبحانه التي تتجلى في أنك وضعت خريطة لمن دخلوا معك في مرحلة التعليم الابتدائي . ومن ترك منهم الدراسة ومن استمر ليدخل الدراسة الإعدادية . إنك تجدهم أقل ، ومن درس في المرحلة الثانوية أقل ، ومن تعلم التعليم العالي أقل ، ومن نال الدكتوراه أقل .
وهكذا نجد أن البعض يتساقط من التعليم لأن هناك أكثر من مهمة في الكون لا تحتاج إلا إلى حامل الابتدائية فقط ، أو حامل الإعدادية ، أو إلى حامل شهادة إتمام الدراسة الثانوية ، ولو ظل كل واحد منهم في التعليم العالي ، فلن نجد لتلك المهام أحداً . لذلك جعل الله التكاتف في الكون احتياجاً لا تفضلاً .