وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه: أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه، وبعد رؤيته ومشاهدته وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله.
أقول: الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب، وأعظم العقاب.
هذا، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريمة، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشيء من التفصيل.
المسألة الأولى: آراء العلماء في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم.
المسألة الثانية: آراء العلماء في نزول المائدة وعدم نزولها.
وللإجابة عن المسألة الأولى نقول: لعل منشأ الخلاف في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ؟ فإن هذا القول يشعر بشكهم في قدرة الله على إنزال هذه المائدة.
وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشري - إلى عدم إيمانهم، وجعلوا الظرف في
قوله: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ متعلقا بقوله قبل ذلك قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ.
أي: أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون، في الوقت الذي قالوا له فيه هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ فكأنهم ادعوا الإيمان والإسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم اتبعه بقوله: إِذْ قالَ فإذن دعواهم كانت باطلة، وانهم كانوا شاكين، وقوله: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. وكذلك قول عيسى لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة».