وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عند ما قالوا لعيسى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
1 -أن الظرف في قوله: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ليس متعلقا بقوله: قالُوا آمَنَّا وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود في تفسيره فقد قال:
قوله: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله، كما ينبئ عنه الإظهار في موضع الإضمار وإذ منصوب بمضمر.
وقيل: هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم».
2 -أن قول الحواريين لعيسى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ لا يسحب عنهم الإيمان، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها (أ) أن قولهم لم يكن من باب الشك في قدرة الله، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظري بدليل أنهم قالوا بعد ذلك نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا.
وشبيه بهذا قول إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
قال القرطبي ما ملخصه: «الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى وقد كان إبراهيم علم ذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا كما قال إبراهيم وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
(ب) أن السؤال إنما هو عن الفعل لا عن القدرة عليه، وقد بسط الآلوسي هذا المعنى فقال: إن معنى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم معى مبالغة في التقاضي.