واعلم أن الأنواع الثلاثة واحد منها يشترط له الحرم إجماعاً ، وهو الهدي كما تقدم ، وواحد لا يشترط له الحرم إجماعاً ، وهو الصَّوم ، وواحد اختلف فيه ، وهو الإطعام. فذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يطعم إلا في الحرم ، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم في موضع إصابة الصَّيد ، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم حيث شاء. وأظهرها أنه حق لمساكين الحرم. لأنه بدل عن الهدي ، أو نظير له ، وهو حق لهم إجماعاً ، كما صرح به تعالى بقوله: {هَدْياً بَالِغَ الكعبة} [المائدة: 95] ، وأما الصَّوم فهو عبادة تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق ، فله فعلها في أي موضع شاء.
وأما إن كان الصَّيد لا مثل له من النعم كالعصافير. فإنه يقوم ، ثم يعرف قدر قيمته من الطعام ، فيخرجه لكل مسكين مد ، أو يصوم عن كل مد يوماً.
فنحصل أن ماله مثل من النعم يخير فيه بين ثلاثة أشياء: هي الهدي ، بمثله ، والإطعام ، والصيام. وأن ما لا مثل له يخير فيه بين شيئين فقط: وهما الإطعام ، والصيام على ما ذكرنا.
واعلم أن المثل من النعم له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون تقدم فيه حكم من النَّبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية: أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصَّحابة ، أو التابعين مثلاً.
الثالثة: ألا يكون تقدم فيه حكم منه صلى الله عليه وسلم ، ولا منهم رضي الله عنهم. فالذي حكم صلى الله عليه وسلم فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير ذلك ، وذلك كالضبع ، فإنه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بكبش ، قال ابن حجر في التلخيص ما نصه: حديث"أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع بكبش"أخرجه أصحاب السنن ، وابن حبان وأحمد ، والحاكم في (المستدرك) من طريق عبد الرحمن بن أب يعمار عن جابر بلفظ سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: