ثم قال {هَدْياً بَالِغَ الكعبة} [المائدة: 95] والذي يتصور أن يكون هدياً مثل المقتول من النعم ، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هدياً ولا جرى لها ذكر في نفس الآية ، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية ، فاتضح أن المراد مثل من النعم ، وقوله لو كان الشبه الخلقي معتبراص لما أوقفه على عدلين؟ أجيب عنه بأن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصَّيد من كبر وصغر ، وما لا جنس له مما له جنس ، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص ، قاله القرطبي.
قال مقيده عفا الله عنه: المراد ب المثلية في الآية التقريب ، وإذاً فنوع المماثلة قد يكون خفياً لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة ، ككون الشاة مثلاً للحمامة لمشابهتها لها في عب الماء والهدير.
وإذا عرفت التحقيق في الجزاء بالمثل من النعم ، فاعلم أن قاتل الصَّيد مخير بينه ، وبين الإطعام ، والصيام ، كما هو صريح الآية الكريمة ، لأن"أو"حرف تخيير ، وقد قال تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً} [المائدة: 95] ، وعليه جمهور العلماء.
فإن اختار جزاء بالمثل من النعم ، وجب ذبحه في الحرم خاصة ، لأنه حق لمساكين الحرم ، ولا يجزئ في غيره كما نص عليه تعالى بقوله: {هَدْياً بَالِغَ الكعبة} [المائدة: 95] والمراد الحرم كله ، كقوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق} [الحج: 33] مع أن المنحر الأكبر مني ، وإن اختار الطعام ، فقال مالك: أحسن ما سمعت فيه ، أنه يقوم الصَّيد بالطعام ، فيطعم كل مسكين مداً ، أو يصوم مكان كل مد يوماً.
وقال ابن القاسم عنه: إن قَوَّمَ الصَّيد بالدراهم ، ثم قَوَّم الدراهم بالطعام ، أجزأه. والصواب الأول. فإن بقي أقل من مد تصدق به عند بعض العلماء ، وتممه مداً ك املاً عند بعض آخر ، أما إذا صام ، فإنه يكمل اليوم المنكسر بلا خ لاف.