إِذَا قِيلَ: إِنَّ دِينَ اللهِ فِي حَقِيقَتِهِ وَجَوْهَرِهِ وَالْحِكْمَةِ مِنْهُ وَاحِدٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الرُّسُلِ الْمُبَلِّغِينَ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بَعْضُ الشَّرَائِعِ فِي أَمْرَيْنِ أَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) : مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَأَحْوَالِ الشُّعُوبِ وَالْأَجْيَالِ ، (وَثَانِيهُمَا) : مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ اللهِ تَعَالَى مِنْ سَيْرِ أُمُورِ الْبَشَرِ كُلِّهَا عَلَى سُنَّةِ التَّرَقِّي التَّدْرِيجِيِّ الَّذِي مِنْ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ أَكْمَلَ مِمَّا قَبِلَهُ ، بِهَذِهِ السُّنَّةِ أَكْمَلَ اللهُ تَعَالَى دِينَهُ الْعَامَّ ، بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ قُلْتُ: إِنَّ فِي الْخَمْرِ مِنَ الضَّرَرِ الذَّاتِيِّ ، مَا كَانَ سَبَبًا لِلْقَطْعِ بِتَحْرِيمِهَا وَمَا ذَكَرْتُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِيهَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْفُسِهِمْ كَانُوا يَشْرَبُونَهَا هَذِهِ شُبْهَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ تَحَدَّثَ بِهَا الْمُحِبُّونَ لَهَا ، وَاسْتَدَلَّ بِهَا بَعْضُهُمْ عَلَى حِلِّ مَا دُونُ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِمَّا سِوَى خَمْرَةِ الْعِنَبِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّ نَصَّ الْقُرْآنِ قَاصِرًا عَلَيْهَا تَعَبُّدًا ، كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْعَقْدِ الْفَرِيدِ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْأُدَبَاءِ الَّذِينَ يَعْنُونَ بِتَدْوِينِ أَخْبَارِ الْفُسَّاقِ وَالْمُجَّانِ