وَمِنْ آيَاتِ الْعِبْرَةِ فِيهَا: أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَعُدُّونَ مِنْ مَنَافِعَ الْخَمْرِ الْحَمَاسَةَ فِي الْحَرْبِ وَقُوَّةَ الْإِقْدَامِ فِيهَا وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْإِفْرِنْجِ أَنَّ السُّكْرَ يُضْعِفُ الْجُنُودَ عَنِ الْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الْحَرْبِ وَاحْتِمَالِ أَثْقَالِهَا ، فَقَرَّرَتْ بَعْضُ الدُّوَلِ إِبْطَالَ الْخُمُورِ الْوَطَنِيَّةِ الشَّدِيدَةِ الرَّوَاجِ فِي بِلَادِهَا - وَأَكْثَرُ انْتِفَاعِهَا الْمَالِيِّ مِنْهَا - مُدَّةَ الْحَرْبِ ، وَلَعَلَّ الدُّوَلَ كُلَّهَا تُجْمِعُ عَلَى هَذَا بَعْدُ ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ لَا يَزَالُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ الْجُغْرَافِيِّينَ يَتَمَلْمَلُونَ مِنْ تَحْرِيمِ الْإِسْلَامِ لِلْخَمْرِ (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)
(اسْتِدْرَاكَانِ)
الِاسْتِدْرَاكُ الْأَوَّلُ: الْخَمْرُ نَوْعَانِ نَوْعٌ يُخَمَّرُ تَخْمِيرًا ، وَنَوْعٌ يُقَطَّرُ تَقْطِيرًا ، وَأَقْوَى الْخُمُورِ سُمًّا وَأَشَدُّهَا ضَرَرًا مَا كَانَتْ مُقَطَّرَةً ، وَيُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِالْأَشْرِبَةِ الرُّوحِيَّةِ وَهَذَا مِنْ مُرَجِّحَاتِ اخْتِيَارِنَا لِقَوْلِ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي تَعْلِيلِ تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ ، وَأَنَّهُ مُخَامَرَتُهَا الْعَقْلَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَمِيعَ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ (ص257 وَمَا بَعْدَهَا ج2ط الْهَيْئَةِ) وَالْمُرَجِّحُ الثَّانِي كَوْنُ هَذَا الْقَوْلِ لِإِمَامٍ مِنْ أَفْصَحِ الْعَرَبِ الْخُلَّصِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ مِمَّا اسْتَنْبَطَهُ الْمُوَلَّدُونَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَالثَّالِثُ أَنَّ نَقْلَهُ أَصَحُّ ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ فِي الصَّحِيحِ وَكُتُبِ السُّنَنِ كَمَا تَقَدَّمَ .