وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ تَكُونَ قُوَّةُ تَأْثِيرِ الدِّينِ عَلَى أَشُدِّهَا وَأَكْمَلِهَا فِي نَشْأَتِهِ الْأُولَى كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (57: 16) وَلِهَذَا تَرَكَ جُمْهُورُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَمْرَ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ وَلَكِنْ بَقِيَ مِنَ الْمُدْمِنِينَ مَنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى احْتِمَالِ آلَامِ الْخِمَارِ وَمَا يَعْتَرِي الشَّارِبَ بَعْدَ تَنَبُّهِ الْعَصَبِ بِنَشْوَةِ السُّكْرِ ، مِنَ الْفُتُورِ وَالْخُمُودِ الدَّاعِي إِلَى طَلَبِ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ ، فَكَانَ أَفْرَادٌ مِنْهُمْ يَشْرَبُونَ فَيُجْلَدُونَ وَيُضْرَبُونَ بِالْجَرِيدِ وَكَذَا بِالنِّعَالِ ، ثُمَّ يَعُودُونَ رَاضِينَ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدُّ الَّذِي يُحَدُّونَهُ ، أَوِ التَّعْزِيرُ الَّذِي يُعَزَّرُونَهُ ، مُطَهِّرًا مِنَ الذَّنْبِ الدِّينِيِّ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى ، لَا يُبَالُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَحَمَّلُوا فِي سَبِيلِ الْخَمْرِ مِنْ إِيذَاءٍ وَإِهَانَةٍ .
وَقَدْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدْمِنِينَ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَلَمَّا أَبْلَى فِي وَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ مَا أَبْلَى ، وَكَانَ نَصْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى يَدِهِ ، وَتَرَكَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِقَامَةَ الْحَدِّ
عَلَيْهِ ، وَكَانَ قَدِ اعْتَقَلَهُ لِسُكْرِهِ ، تَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى ، وَعَلَّلَ تَوْبَتَهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ عَالِمًا أَنَّ الْعِقَابَ الشَّرْعِيَّ يُطَهِّرُهُ ، وَإِذْ حَابَوْهُ بِهِ كَمَا ظَنَّ