وليس الشراب من الطعام بل هو غيره ، ولذلك عُطف في قوله تعالى {فانظُر إلى طعامك وشَرابك لم يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] .
ويدلّ لذلك استثناء المأكولات منه في قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقاً أهلّ لغير الله به} [الأنعام: 145] .
ويقال: طَعِم بمعنى أذَاق ومصدره الطُّعْم بضمّ الطاء اعتبروه مشتَقّاً من الطَّعْم الذي هو حاسّة الذوق.
وتقدّم قوله تعالى {ومن لم يطْعَمه فإنّه منّي} [البقرة: 249] ، أي ومن لم يذقه ، بقرينة قوله {فمن شرب منه} [البقرة: 249] .
ويقال: وجَدت في الماء طعْم التراب.
ويقال تغيّر طعم الماء ، أي أسِنَ.
فمن فصاحة القرآن إيراد فعل {طَعِمُوا} هنا لأنّ المراد نفي التَّبِعَة عمَّن شربوا الخمر وأكلوا لحم المَيْسر قبل نزول آية تحريمهما.
واستعمل اللفظ في معنييه ، أي في حقيقته ومجازه ، أو هو من أسلوب التغليب.
وإذ قد عبّر بصيغة المضي في قوله {طعموا} تعيّن أن يكون {إذا} ظرفاً للماضي ، وذلك على أصحّ القولين للنحاة ، وإن كان المشهور أنّ (إذا) ظرف للمستقبل ، والحقّ أنّ (إذا) تقع ظرفاً للماضي.
وهو الذي اختاره ابن مالك ودرج عليه ابن هشام في"مغني اللبيب".
وشاهده قوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} [التوبة: 92] ، وقوله: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} [الجمعة: 11] ، وآيات كثيرة.
فالمعنى لا جناح عليهم إذ كانوا آمنوا واتّقوا ، ويؤوّل معنى الكلام: ليس عليهم جناح لأنّهم آمنوا واتّقوا فيما كان محرّماً يومئذٍ وما تناولوا الخمر وأكلوا الميسر إلاّ قبل تحريمهما.
هذا تفسير الآية الجاري على ما اعتمده جمهور المفسّرين جارياً على ما ورد في من سبّب نزولها في الأحاديث الصحيحة.
ومن المفسّرين من جعل معنى الآية غير متّصل بآية تحريم الخمر والميسر.