وقد حذر الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبالأولى المؤمنين من أن يفتنوا عن بعض ما أنزل الله تعالى، وتشديد التحذير من الفتنة في البعض، يتضمن التحذير من الفتنة في كل ما أنزل الله تعالى، إذ الفتنة في الكل أشد إيجابا للتحذير من الفتنة في البعض، هذا وإن الفتنة في بعض ما أنزل الله تعالى تؤدي إلى الفتنة في كل ما أنزل الله سبحانه، لأن ما أنزل الله سبحانه وتعالى وأوجب الأخذ به مرتبط الأجزاء متماسك، فإذا حلت عروة منه انحل سائره، كالبنيان المرصوص، وإذا تهدم جزء منه تداعت لبناته وانهار البنيان، وصار أجزاء منثورة لَا تربطها رابطة.
وإن الوقائع بين أيدينا مُعْلِمةً شاهدة، فمن يوم أن ترك المسلمون أمورهم لحكام يعصون، ولم يلتفتوا إلى ما يدعوهم إليه ما أنزل الله تعالى على نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. ذهب حكم الإسلام، وتداعت أركانه، وصار المسلمون مستضعفين في الأرض، ودينهم يدعوهم إلى أن يكونوا ذوي بأس شديد، أشداء على غيرهم رحماء بينهم.
ومن أجل ذلك جاء التحذير من الفتنة في البعض لكيلا يستسهل ويستصغر، فيجيء الأكبر، وهو حل عرا الإسلام عروة، عروة، وقد حذر الله سبحانه من عاقبة الذين يعرضون عن أن يحكموا بما أنزل على نبيه، فقال تعالت كلماته:
(فإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يصِيبَهم بِبَعْضِ ذنُوبِهِمْ) ظاهر السياق أن الضمير في قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا) إلى آخره يعود على اليهود، ومن لَفَّ لَفهم ممن يسيرون في الحكم على هواهم، وعاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعندي أن الضمير يعم كل من يخاطبهم القرآن، وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كل الأجيال، وفي كل الأزمان، وإن كان اليهود وغيرهم ممن عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلين في حكم عموم الأمة ابتداء، والمعنى فإن أعرضوا عن تنفيذ حكم الله تعالى، فإنه سينزل بهم من الشدائد ما يتناب مع جعل شرائع الله تعالى معطلة لَا يقام العدل الذي تتضمنه، بل يكون حكم الهوى، وحسب ذلك فسادا.