(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أَيْ فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْ حُكْمِكَ بَعْدَ تَحَاكُمِهِمْ إِلَيْكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ هِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ ، فَاضْطِرَابُهُمْ فِي دِينِهِمْ ، وَاسْتِثْقَالُهُمْ لِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ ، وَتَحَاكُمُهُمْ إِلَيْكَ رَجَاءَ أَنْ تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ ، وَإِعْرَاضُهُمْ عَنْ حُكْمِكَ بِالْحَقِّ ، وَمُحَاوَلَتُهُمْ لِمُخَادَعَتِكَ وَفِتْنَتِكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ، كُلُّ هَذِهِ مُقَدِّمَاتٌ مِنْ فَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَرَوَابِطِ الِاجْتِمَاعِ لَا بُدَّ أَنْ تُنْتِجَ وُقُوعَ عَذَابٍ بِهِمْ ، قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعَذَابِ هُنَا مَا حَلَّ بِيَهُودِ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا بِغَدْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا ، إِذَا كَانَ نُزُولُ الْآيَةِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ نُزُولُ هَذَا السِّيَاقِ كُلِّهِ قَبْلَ نُزُولِ أَوَائِلَ السُّورَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ عَذَابٌ فِي
عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِهَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَذَابِ إِجْلَاءَ عُمَرَ مَنْ أَجْلَاهُمْ مِنْهُمْ فِي خِلَافَتِهِ . وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَذَابُ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ الذُّنُوبِ لِبَيَانِ أَنَّ بَعْضَهَا يُوبِقُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْعِقَابُ عَلَى جَمِيعِهَا ؟ وَهُوَ كَمَا تَرَى ، ثُمَّ قَالَ: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) أَيْ لَا يَرُعْكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ مَا تَرَاهُ مِنْ فُسُوقِهِمْ