فِيهِ"مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ"مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ ; أَيِ الْزَمُوا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ، وَهِيَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ ، الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْإِسْلَامِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لَفْظَ الْمِلَّةِ يُرَادُ بِهِ أَصْلُ الدِّينِ وَجَوْهَرُهُ ، دُونَ مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرَائِعِ وَتَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ: الْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ شَرَائِعَ الْكُفَّارِ مُخْتَلِفَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ .
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أَيْ وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ، ذَاتَ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَاجٍ وَاحِدٍ فِي سُلُوكِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا ، لَفَعَلَ بِأَنْ خَلَقَكُمْ عَلَى اسْتِعْدَادٍ وَاحِدٍ ، وَأَلْزَمَكُمْ حَالَةً وَاحِدَةً فِي أَخْلَاقِكُمْ وَأَطْوَارِ مَعِيشَتِكُمْ ، بِحَيْثُ تَصْلُحُ لَهَا شَرِيعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ زَمَنٍ ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُونَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخَلْقِ الَّتِي يَقِفُ اسْتِعْدَادُهَا عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ ; كَالطَّيْرِ أَوِ النَّمْلِ أَوِ النَّحْلِ .
(وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ) أَيْ وَلَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ ، بَلْ جَعَلَكُمْ نَوْعًا مُمْتَازًا