ومن أجل ذلك وصف بأنه موعظة، ولكن لَا يستفيد منه إلا الذين امتلأث نفوسهم بالخوف ورجاء ما عند الله، وهم طالبو الحق المهتدون، لأنهم هم الذين يستفيدون من العلم الذي يلقى، فالنفوس أقسام ثلاثة: قسم يطلب الحق، ويثمر فيه بيانه، وقسم يجمد على ما عنده، ويكون صلدا لَا ينفذ العلم إلى قلبه، إذ تحول بينه وبينه غشاوة من الباطل فهو أغلف، وقسم متردد حائر، تسيره الأجواء التي تحكمه وتسيطر عليه، ولا شك أن الذي يستفيد من المواعظ هو طالبها المتقبل لها، الذي تتشبع نفسه منها، وأولئك هم المتقون، وأما القسم الثالث، فإنه ترجى له الهداية رجاء غير محقق، وإن مثل العلم النافع لمثل الغيث لَا ينتفع منه إلا الأرض الطيبة التي تخرج نباتها بإذن ربها، والعلم لَا ينتفع به إلا القلوب الطاهرة التي لم ترنقها أغراض الدنيا وأهواؤها.
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ...(47)
في هذا النص الكريم قراءات نذكر منها قراءتين في قوله:"وَلْيَحْكُمْ": أولاهما - قراءة حمزة بكسر اللام وفتح الميم، وتكون اللام للتعليل، ويكون في مقام العطف على ما سبق، لأنه في معنى التعليل، ويكون المعنى على هذه القراءة: (وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل فيه) ، وأهل الإنجيل هم من عاصروا المسيح عليه السلام، ومن
جاءوا بعدهم حتى بعث محمد - صلى الله عليه وسلم -، إذ يجب العمل بشريعته حتى يجيء ما ينسخها، فالعمل واجب بشريعة الإنجيل من أهل الإنجيل، فلما جاءت شريعة محمد عليه الصلاة والسلام صاروا أهل شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
والقراءة الثانية بسكون اللام، وسكون الميم على أن اللام للأمر، وسياق الكلام على هذا يوجب تقدير محذوف، وهو (قلنا) مثلا ليكون متقابلا مع أهل التوراة الذين قال تعالى فيهم: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. . .) .
فالمعنى: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل. وعلى هذا التقدير يكون العمل بالإنجيل سابقا على نزول القرآن.