وفى هذا النص الكريم يذكر سبحانه أن عيسى - عليه السلام - جاء من بعدهم يصدق ما بين يديه من التوراة، وأتى معه بالإنجيل وفيه أحكام مقررة للتوراة، أو ناسخة أو مبينة، وأن على أهل الإنجيل الذين نزل عليهم وخوطبوا به أن يطبقوه، حتى تأتي الأحكام الخالدة القررة الثابتة إلى يوم القيامة التي نزلت بها شريعة القرآن كما ستدل على ذلك النصوص القرآنية التالية.
(وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي أرسلنا من بعد الذين حكموا بالتوراة من النبيين كداود وسليمان ومن قبلهما ومن بعدهما
-بعيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - مقتفيا آثارهم مصدقا لما بين يديه من التوراة. . . وهنا بحوث لفظية تتبين من ذكرها معاني النص الكريم: أولها - في معنى"قفينا"، فقد قال علماء اللغة ومفسرو البيان: إن"قفَّى"معناه عقب، ويقال قفَّيته بكذا أي أتبعته به، وهنا نجد المفعول محذوفا، فلم يكن النص قفيناهم بعيسى ابن مريم، وحذف لأن كلمة (عَلَى آثَارِهِم) تدل على المحذوف، إذ إن المحذوف هو النبيون السابقون الذي يحكمون بالتوراة، وكلمة"على آثارهم"تدل على أنهم هم الذين اقتفيت آثارهم.
وذكر كلمة"على آثارهم"تدل على أن عيسى - عليه السلام - لم يكن بدعا من الرسل، بل سبقه آخرون سلك مسلكهم في إقامة التوراة وما بقي منها غير منسوخ بحكم ما جاء في الإنجيل، وآثار أولئك النبيين هي الحكم الخالص لله الذي اتبعوه في تنفيذ أحكام التوراة، فآثارهم معنوية وليست مادية.
وقال علماء الاشتقاق في اللغة: إن كلمة قفى مأخوذة من القفا، وهو مؤخر الرقبة، يقال: قفا أثره إذا جاء من ورائه واتبعه في سيره حسا، ثم صار يطلق على السير وراءه معنى، كالشأن في كثير من الألفاظ التي تدل على معان حسية، فإنها تنتقل من بعد إلى مدلولات معنوية.