وثامنا: لقد استطرد الطبري إلى مسألتين. أولاهما نجاة الجاني من عقوبة الآخرة إذا اقتصّ منه أو أدّى دية ما جنت يده. أو عفا المصاب عنه. فقال إن هذا هو كفارته ولا عقوبة أخروية عليه على ما ثبت من حكم رسول الله في ذلك. وهذا حقّ وصواب استنادا إلى أحاديث رسول الله التي أوردناها قبل والتي ذكر فيها أن الله أعدل من أن يثني عقوبة على عبده. أما الثانية فهي ما يمكن أن يحدثه شخص في آخر من جروح خطأ بدون عمد. وقد قال الطبري إن الله سبحانه قد وضع عن عباده جناح ما أخطأوا ولم تتعمده قلوبهم فلا محل لقصاص فإن عفا المصاب فيها وإلا فلا يجب على الجاني غير الدية. وهو اجتهاد وجيه. ولعلّه قاسه على القتل الخطأ الذي لا يستوجب قصاصا بل دية إن لم يعف أهل القتيل على ما مرّ شرحه في سياق الآية [42] من سورة النساء.
وقد تكون الحالة هنا من باب الأولى. وقد يرد سؤال عما إذا لم يجد الجاني دية. فآية النساء شرعت في مثل هذه الحالة صيام شهرين متتابعين توبة من الله والفرق عظيم بين جرح غير مميت وبين إزهاق روح. وقد يكون في صيام الجاني مدة ما توبة له والله تعالى أعلم.
[سورة المائدة (5) : الآيات 46 إلى 47]
(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(46)
تعليق على الآية وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ والآية التالية لها وما ينطوي فيهما من أحكام
عبارة الآيتين واضحة. وقد احتوتا:
(1) تقريرا بأن الله قد أرسل بعد أنبياء اليهود وتوراتهم عيسى ابن مريم مصدقا ومؤيدا للتوراة وآتاه الإنجيل أيضا. وفيه هو الآخر نور وهدى وموعظة لمن يخشى الله ويتقيه ومصدق وموقت في الوقت نفسه للتوراة التي نزلت قبله.
(2) وإيجابا على أهل الإنجيل بأن يحكموا بما أنزل الله فيه وإنذارا بأن من لم يحكم كذلك فهو فاسق خارج عن أمر الله.