تَقَلَّدُوهَا حَافَظُوا عَلَى مَصَالِحِ أَبْنَاءِ مِلَّتِهِمْ وَجِنْسِهِمْ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ أَنْ صَارُوا أَصْحَابَ السِّيَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِيهَا، وَصَارَ حُكَّامُهَا الْأَوَّلُونَ آلَاتٍ فِي أَيْدِيهِمْ.
وَالظَّاهِرُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ قَبُولَ الْمُسْلِمِ لِلْعَمَلِ فِي الْحُكُومَةِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ فِي الْهِنْدِ (وَمِثْلِهَا مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ) وَحُكْمَهُ بِقَانُونِهَا هُوَ رُخْصَةٌ تَدْخُلُ فِي قَاعِدَةِ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَزِيمَةً يُقْصَدُ بِهَا تَأْيِيدُ الْإِسْلَامِ وَحِفْظُ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. ذَلِكَ أَنْ تَعُدَّهُ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نُفِّذَ بِهَا حُكْمُ الْإِمَامِ الَّذِي فَقَدَ أَكْثَرَ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ، وَالْقَاضِيَ الَّذِي فَقَدَ أَهَمَّ شُرُوطِ الْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَجَمِيعُ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ حُكَّامُ ضَرُورَةٍ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ تَقَلَّدَ الْعَمَلَ لِلْحَرْبِيِّ لِأَجْلِ أَنْ يَعِيشَ بِرَاتِبِهِ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيمَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : دَارُ الْحَرْبِ بِلَادُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يُحَارِبُوا. وَكَانَتِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُعَاهِدْنَا عَلَى السِّلْمِ يُعَدُّ مُحَارِبًا. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 6 صـ 328 - 338}