{يَأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بَما تَعْملُونَ خَبِيراً} [النساء: 135] ويقول: {يَأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذمة الفرس، وذمة النصارى، بحيث لم يبق لهم مدينه ولا جيش.
وأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها.
فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكانوا يقاتلون المشركين من العرب، فيستنصرون عليهم بالإيمان برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل ظهوره، ويعدونهم بأنه سيخرج نبي نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله تعالى وآله وسلم سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب، فحملهم الحسد والبغى على الكفر به وتكذيبه.
وأشد ما على هذه الأمة الغضبية من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغيرهم من ملوك، الإسرائيلين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنتها ليعلموا رسومها في العبادة، وبنوا لها البيع والهياكل، وعكفوا على عبادتها وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة.
فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من قبل ملوكهم ومن قبل أنفسهم، فما الظن بالآفات التي نالتهم من غير ملوكهم، وقتلهم أئمتهم، وإحراقهم كتبهم، ومنعهم من القيام بدينهم؟.
فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان. وكثيرا ما منعوهم من الصلاة، لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى العالم بالخراب سوى بلادهم التي هي أرض كنعان.
فلما رأت هذه الأمة الجِدَّ من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية زعموا أنها فصول من صلاتهم سموها الحزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها. وسموا القائم بها الحزان.