الوجه الثاني: قولهم بأن الإنابة مبدأ سليم طالما أن من سينوب قبل ذلك مختارًا غير محدد.
والرد على ذلك نقول: قولهم بأن المسيح اختار الصلب يكفيه حال المسيح عند الصلب، كما يزعمون ويرونها في كتبهم؟
وسؤالنا للفكر النصراني الذين يرون في أن آلام وموت المسيح كانت معجزات وانتصارات لا كوارث ولا تراجع، ويرون في صلب الإله المسيح كما يقولون عملية فداء للبشرية، فإذا كان المسيح إلهًا، فهل تُقبل عملية الصلب بدون أي تذمر؛ لأنه يعرف أنه إله ومجرد صلبه هو صلب للمادة والجسد وليس النور الإلهي.
وإن الناسوت (الابن المتجسد كما يزعمون) استغاث عند صلبه وقال إلهي إلهي لماذا تركتني وإن كان هو قد فعل ذلك مكرا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان وأخفى نفسه حتى يأخذه بوجه حق فناسوته أعلم بذلك من جميع الخلق فكان الواجب أن لا يجزع ولا يهرب لما في ذلك من الحكمة وهم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما جرى عليه كان بغير اختياره.
ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة فكيف شاء ذلك وهرب مما يكرهه الناسوت بل لو يشاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين وقد اتفقا على المكر بالعدو ولم يجزع الناسوت كما جرى ليوسف مع أخيه لما وافقه على أنه يحمل الصواع في رحله ويظهر أنه سارق لم يجزع أخوه لما ظهر الصواع في رحله كما جزع إخوته حيث لم يعلموا وكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون فما بال هذا يجزع الجزع العظيم الذي يصفون به
المسيح وهو يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الإلهية.
الوجه الثالث: يقولون إن موت المسيح على الصليب كان من إعداد إلهي مسبق، ولم يكن فجائيًا كما يظن البعض، ويظهر ذلك شغل النبوءات التي في العهد القديم منذ آلاف السنين، فالذبائح كلها ترمز لدم المسيح.
وللرد على ذلك نقول:
إن العهد الجديد عند النصارى يركز على أن الصلب أساسًا لتحقيق هدف جاء من أجل المسيح يسوع إلى الدنيا وتحقيقًا لرغبة إلهية ورحمة من الرب نحو شعبه، ولذلك ركزت إصحاحات العهد الجديد في الأناجيل الأربعة على فكرة أن يسوع كان يعرف مهمته في الحياة، وأنه مكتوب عليه التضحية ليخلص الناس.