وقال المفسرون من السلف، والخلف قاطبةً: أنَّ الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره، والهضم هو أن ينقص من حسنات العامل.
إن سائر أهل السنة الذين يقرون بالقدر ليس فيهم من يقول إن الله تعالى ليس بعدل ولا من يقول إنه ليس بحكيم ولا فيهم من يقول إنه يجوز أن يترك واجبًا ولا أن يفعل قبيحًا، فليس في المسلمين من يتكلم بمثل هذا الكلام.
وإن الظلم مقدور ممكن والله تعالى منزه لا يفعله لعدله ولهذا مدح الله نفسه حيث أخبر أنه لا يظلم الناس شيئًا والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه لا بترك الممتنع، قالوا: وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} قالوا: الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره والهضم أن يهضم حسناته، وقال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} أي لا تنقص من حسناتها ولا تعاقب بغير سيئاتها فدل على أن ذلك ظلم ينزه الله عنه، ومثل هذا في القرآن في غير موضع مما يبين أن الله ينتصف من العباد ويقضي بينهم بالعدل وأن القضاء بينهم بغير العدل ظلم ينزه الله عنه
وأنه لا يحمل على أحد ذنب غيره.
قال تعالى: ( {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ} أي لا يضيع جزاء من أحسن ولو بمثقال ذرة فدل على أن إضاعتها وترك المجازاة بها مع عدم ما يبطلها ظلم يتعالى الله عنه ومعلوم أن ترك المجازاة عليها مقدور يتنزه الله عنه لكمال عدله وحكمته ولا تحتمل الآية قط غير معناها المفهوم منها وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، وقوله: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى(36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} مهو، فالله لا يعاقب العبد بغير إساءة ولا يحرمه ثواب إحسانه، ولا يحمل أحد في وزر غيره شيء، وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وأن هذا هو العدل الذي نزه نفسه عن خلافه.