فهذا البيت يحتمل تأويلين متضادين: أحدهما أن الشعر يتسع مجاله بمدحك ، ويضيق بمدح غيرك. يريد بذلك أن مآثره كثيرة ، ومآثر غيره قليلة. والآخر: أن الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك ، وذا خسول وتبليد بمدح غيرك. فلفظة الطول يفهم منها ضدّ القصر ، ويفهم منها الفخر ، من قولنا:
طال فلان على فلان أي فخر عليه.
بيت أبي كبير الهذليّ:
ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضّي الأوقات مدة الوصال ، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون والبطء ، والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات ، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية. وهذا من باب وضع المضاف إليه مكان المضاف ، كقوله تعالى:"واسأل القرية"أي: أهل القرية.
بيت أبي الطيب المتنبي:
ومن المعنى الدقيق في هذا الصدد قول أبي الطيب المتنبي في مديح عضد الدولة:
لو فطنت خيله لنائله لم يرضها أن تراه يرضاها
وهذا يستنبط منه معنيان ضدان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه النفيسة لما رضيت له بأن تكون من جملة عطاياه ، لأن عطاياه أنفس منها. والآخر أن خيله لو علمت أنّه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت ذلك إذ تكره خروجها عن ملكه.
وبين الحقيقة والمجاز:
وهذا كله لا يعدو الحقيقة ، فإذا احتمل الحقيقة والمجاز وتجاذباه ، بلغ أسمى درجات الإعجاز ، وسيأتي في مواطنه. ولكننا حرصا على إتمام البحث نورد مثالا واحدا من الشعر ، وفيه نرى المعنيين مجازيين كقول أبي تمام:
قد بلونا أبا سعيد حديثا وبلونا أبا سعيد قديما
ووردناه ساحلا وقليبا ورعيناه بارضا وجميما
فعلمنا أن ليس إلّا بشق النفس صار الكريم يدعى كريما