قال ابن كثير: وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني عن العلاء بن عبد الرحمن. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ومنهم من فسر قوله وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
أي: ولا يصلون إلا قليلا. لأنهم إنما يصلون رياء فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. والأول أولى لأنه أعم وأشمل.
قال صاحب الكشاف: قوله «ولا يذكرون الله إلا قليلا» أي: ولا يصلون إلا قليلا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به. وما يجاهرون به قليل أيضا، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالى لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه ..
فإن قلت ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان:
أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرون استحسانه.
والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل. فيقال: راءى الناس. يعني رآهم كقولك نعمه وناعمه .. روى أبو زيد: راءت المرأة المرآة الرجل: إذا أمسكتها لترى وجهه .. .
وقوله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل يراءون واسم الإشارة «ذلك» مشار به إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين.
قال القرطبي: المذبذب: المتردد بين أمرين. والذبذبة: الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب. ومنه قول النابغة - في مدح النعمان بن المنذر -
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي: يضطرب وقال ابن جني: المذبذب: المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين. لا مخلصين للإيمان ولا مصرحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين - أي المترددة بين قطيعين - تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى» .
وقوله لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ في محل نصب على أنه حال من ضمير مُذَبْذَبِينَ أو على أنه بيان وتفسير له.