وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) فهو - واللَّه أعلم - الإرادة، وهي صفة كل فاعل في الحقيقة، وحرف الاستفهام من اللَّه إيجاب؛ فكأنه قال: قد جعلتم لله في تعذيبكم حجة بينة يعقلها الكل؛ إذ ذلك يكون - وهو اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين - حجة ظاهرة في لزوم المقت.
وجائز أن تكون الإضافة إلى اللَّه ترجع إلى أولياء اللَّه؛ نحو الأمر بنصر اللَّه، والقول بمخادعة اللَّه، وكان ذلك منهم حجة بينة عليهم لأولياء اللَّه: أنهم لا يتخذون الشيطان وليا، وأولياء: عبادة غير اللَّه اتخذوه، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ...(145)
الدرك: بالجزم والفتح - لغتان، وهما واحد؛ يقال: للجنة درجات وغرفات، وللنار دركات بعضها أسفل من بعض.
وقيل: كلما كان أسفل - كان العذاب فيها أشد؛ ألا ترى أنه أخبر عنهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) ، فلو لم يكن من أسفل منهم في الدركات أشد عذابًا - لم يكن لقولهم: (نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ) ، معنى؛ فدل أن كل ما كان أسفل من الدركات - كان في العذاب أشد، واللَّه أعلم.
وذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذكر [عبد المطلب وهشام بن المغيرة] (1) فقال:"هُما مِنْ أَدْنَى أَهْلِ النًارِ عَذَابًا، وَهُمَا فِي ضَحْضاع مِنَ النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا، وَأَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: فِي رِجْلَيهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلي بِهِمَا دِمَاغُهُ".
وعن ابن مسعود - رضي اللَّه عنه -: قال: الأدراك: توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار.