وأما قوله:"وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"وتقريره أنا نرى أهل العالم مختلفين فِي النفي والإثبات فِي جميع المسائل الإلهية ، وفي جميع مسائل النبوات ، وفي جميع مسائل المعاد ، والشبهات غالبة ، والظلمات مستولية ، ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير ، وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل فِي العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد ؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين الحق فِي عين عقل الطالب ويقبح الباطل فِي عينه كما قال: {ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7] وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق ، فقوله: {اهدنا الصراط المستقيم}
إشارة إلى هذه الحالة ، ويدل عليه أيضاً أن المبطل لا يرضى بالباطل ، وإنما طلب الاعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح ، فلو كان الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد فِي الخطأ ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا فِي بحر الضلالات علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ، ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك ، أما الملائكة فقالوا: {سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم} [البقرة: 32] وقال آدم عليه السلام: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} [الأعراف: 23] وقال إبراهيم عليه السلام: {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين} [الأنعام: 77] وقال يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} [يوسف: 101] وقال موسى عليه السلام: {رَبّ اشرح لِى صَدْرِى} [طه: 25] الآية وقال محمد عليه السلام: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً