وأما قوله:"وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي"فلقائل أن يقول: إنه لما قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي ، وههنا لما قال الرحمن الرحيم قال عظمني عبدي فما الفرق ؟ وجوابه أن قوله الحمد لله دل على إقرار العبد بكماله فِي ذاته ، وبكونه مكملاً لغيره ، ثم قال بعده: رب العالمين ، وهذا يدل على أن الإله الكامل فِي ذاته المكمل لغيره واحد ليس له شريك ، فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك على أن الإله الكامل فِي ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل والضد والند فِي غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا:"عظمني عبدي".
وأما قوله:"وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي"أي: نزهني وقدسني عما لا ينبغي فتقريره أنا نرى فِي دار الدنيا كون الظالمين متسلطين على المظلومين ، وكون الأقوياء مستولين على الضعفاء ، ونرى العالم الزاهد الكامل فِي أضيق العيش ، ونرى الكافر الفاسق فِي أعظم أنواع الراحة والغبطة ، وهذا العمل لا يليق برحمة أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، فلو لم يحصل المعاد والبعث والحشر حتى ينتصف الله فيه للمظلومين من الظالمين ويوصل إلى أهل الطاعة الثواب ، وإلى أهل الكفر العقاب ، لكان هذه الإهمال والإمهال ظلماً من الله على العباد ، أما لما حصل يوم الجزاء ويوم الدين اندفع وهم الظلم ، فلهذا السبب قال الله تعالى: {لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى} [النجم: 31] وهذا هو المراد من قوله تعالى:"مجدني عبدي ، الذي نزهني عن الظلم وعن شيمه."