وقال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَميعاً} وهذا في حق القاتل ، وهي تتناول الكفر فيما دونه ، قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة ؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه ، قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه ، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول ، فأقام الشارع وليه مقامه ، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول ، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه ، فإنه يقوم مقام تسليمه للموروث ، والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله ، وحق للمظلوم المقتول ، وحق للولي ، فإذا سلم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الوليّ ، ندماً على ما فعل ، وخوفاً من الله ، وتوبة نصوحاً - فقطع حق الله بالتوبة ، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو ، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ، ويصلح بينه وبينه ، فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا .
فصل
ومن العلماء من اختار التوقف في هذا المقام ، منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني ، فإنه قال في كتابه:"إيثار الحق"في (بحث الوعد والوعيد) ، ما نصه: لا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد ، وتخصيص العمومات بالأدلة المتصلة والمنفصلة مقبول ، إما على جهة الجمع ، ولا شك في جوازه وصحته وحسنه ، والإجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الأمة وخلفها ، بل لا شك في تقديمه في الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح ، فإن تعذر الجمع فالترجيح ، فإن وضح عمل به ، فإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلم} [الإسراء: 36] .