وقال العلامة أبو السعود: تمسّكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل المؤمن عمداً في النار ، ولا متمسَّك لهم فيها ، لا لما قيل من أنها في حق المستحل ، كما هو رأي عِكْرِمَة وأضرابه ، بدليل أنها نزلت في مَقِيس بن صُبَابَة الكِنَانِي المرتد ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، بل لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام ، لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم .
وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً ، وكذا ما روي عن سفيان: أن أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له - محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ ، وعليه يحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة ) ، وقال عَوْن بن عبد الله وبكر بن عبد الله وأبو صالح: المعنى هو جزاؤه إن جازاه ، قالوا: قد يقول لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذباً .
قال الواحدي: والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد ، وأن امتنع أن يخلف الوعد ، والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور ، لأنه إخبار منه تعالى أن جزاءه ذلك ، لا بأنه يجزيه بذلك ، كيف لا ؟ وقد قال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: من الآية 40] ، ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها ، لعارضه قوله تعالى: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: من الآية 30] . انتهى .