أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا" (النساء) ."
وفريق آخر من العلماء تخلفوا عن الجهاد المتعين، فهم في أحسن أحوالهم قاعدون أشباه للخوالف، يصدق عليهم قول الله تعالى:"وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ" (التوبة) . قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:"يقول تعالى - في بيان استمرار المنافقين على التثاقل عن الطاعات, وأنها لا تؤثر فيهم السور والآيات."وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ"يؤمرون فيها بالإيمان باللّه, والجهاد في سبيل اللّه."اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ"يعني: أولي الغنى والأموال, الذين لا عذر لهم. وقد أمدهم اللّه بأموال وبنين, أفلا يشكرون اللّه ويحمدونه, ويقومون بما أوجبه عليهم, وسهل عليهم أمره. ولكن أبوا إلا التكاسل, والاستئذان في القعود"وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ". قال تعالى"رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ"كيف: رضوا لأنفسهم, أن يكونوا مع النساء المتخلفات عن الجهاد. هل معهم فقه أو عقل, دلهم على ذلك؟. أم"طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ"فلا تعي الخير, ولا يكون فيها إرادة لفعل ما فيه الخير والفلاح؟. فهم لا يفقهون مصالحهم. فلو فقهوا حقيقة الفقه, لم يرضوا لأنفسهم بهذه الحال, التي تحطهم عن منازل الرجال".
فنحن وإن سمينا هؤلاء القاعدين بالعلماء، فإنما سميناهم من باب التسمية الاصطلاحية التي تعارف عليها الناس، وإلا كيف يكون عالمًا فقيهًا من رضي بالقعود وآثر الحياة الدنيا وزخرفها، وتخلف عن الجهاد المتعين باللسان والسنان، أم كيف يكون فقيهًا عالمًا بما يصلح الأمة، وهو معرض عن ما يُصلحهُ وينفعهُ في الدارين من جهاد للطواغيت، وصدعٍ بالحق، وإظهارٍ للدين، وصدق الأمام السعدي رحمه الله حين قال:"فهم لا يفقهون مصالحهم. فلو فقهوا حقيقة الفقه، لم يرضوا لأنفسهم بهذه الحال، التي تحطهم عن منازل الرجال".ألم يصف الله تبارك وتعالى - في كتابه - القاعدين بقوله:"وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون"، وبقوله"وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون"، فنفى الله عنهم صفة الفقه والعلم وإن كانوا من المحسوبين على العلم وأهله، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"رب فقيه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
فالميزان الحقيقي للعلم هو العمل لا كثرة الجمع، ورحم الله الراهب الأول صاحب العلم الجم الذي ثبت على دينه حتى قتل، يوم أن قال للغلام الصغير- الذي عَلِمَ القليل لكنه بلّغَ ما عَلِمَ ودعا الناس إلى عبادة رب العباد- إنك اليوم خير مني. واعلم رحمك الله أن من تذبون عنهم من العلماء