حين ينظر المرء إلى صفوة الأمة، يجد نفسه منجذبة إلى صفاتهم لأول وهلة ومتشوقا إلى لقياهم وأفعالهم، فأقوالهم تنبي عن صفاتهم وأفعالهم
وخطاباتهم توحي بتسجيل مآثرهم وتضحياتهم من خلال الصورة النمطية والذهنية في النفس. كتاباتهم ترسم جمال نفوسهم وعميق تصوراتهم وأفكارهم ورحابة قلوبهم. كانوا وكأنهم يخرجون من عمق التاريخ فيصيغون الواقع ويرسمون أفق المستقبل من خلال جمال تراث الماضي، كانت تلك الصفوة قد سدت الأفق وأغلقت المنافذ فهي ملء السمع والبصر. حين تنظر إلى كتاباتهم فترى أنك أمام جهابذة وصناديد عباقرة، وحين تقترب من بعضهم فترى أحوالهم وتخبر أفعالهم وتغوص في أعماقهم، ترى أن الله تعالى عظيم وحكيم وكريم قد أراد خيرا بالأمة من خلال من جرى القلم على يديه رحمة بغيره لينير للناس دروبهم ويقوموا بتمهيد الطريق لغيرهم، نرى أن هناك أقلاما تجري على أيدي أصحابها لا علاقة لمضمونهم بما يصدر منها فهي كتابة تأصيلية حقيقية وأما واقعية فهي لا تنطبق على كثير من أصحابها، غدت مهنة شوهاء وأعمال خرقاء وأفعال عرجاء. حين تسمع لخطب أقوام تظن أنك أمام الرعيل الأول، فيتبادر سمتهم للذهن بصفات العظماء وحين تدخل في مضامينهم وتصطدم بواقعهم فإذا هي صورة بغير مضمونه. يتكلفون العظمة في الخطابات وكأنهم منذروا جيش يقيمون دولة الإسلام في أقوالهم وتصوراتهم وجعجعتهم، ثم ترى الخنوع والذلة والجبن في واقعهم. فصام نكد في شخوصهم ومظاهرهم وأقوالهم وأفعالهم هم في واد وأمتنا في ألف واد. يقدمون حين يروا الأقدام مباحا ويحجمون حين يروا الإحجام ضرورة، نفوسهم حسيرة كليلة تفرق من ظلها وتخشى مع خبالها وضعفها. هم القدوة بغير قدوة، وهم الصفوة بغير صفاء قد أسست على غير بنيان ولا تقوى من الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة".تصدروا للأمور ولم يكونوا على مستوى التصدر، لم يسيروا بما تسمو به النفس. يأخذون تصورات وأفكارهم ويغذونها ويعززونها ممن هم أدنى منهم، نزلت مستوياتهم وتراخت نفوسهم فتطاول عليهم الأوغاد، كانوا سوية ولم يكونوا من أهل السرية. إن الأحق والأولى أن يكون مصادر الصفوة من معين الشريعة الذي لا ينضب ومحكمها ورفع الغوغاء إلى الحد الأدنى لفهم الشريعة على الأقل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، لا أن تبني قناعاتها على الظن والشبهة والتهمة مما ليس لهم به علم أو لم يحيطوا بحقائقه على الوجه الصحيح ليطلقوا لأفكارهم وتصوراتهم وخبالاتهم وأهوائهم، وتستقر في النفوس وتساكن العقائد