ليسوا بكرماء على الله إلا إذا امتثلوا شرعه، واتبعوا أمره، واجتنبوا ما نهى عنه وزجر، فإن حادوا عن الطريق وانتكسوا وارتكسوا، فهم من أتباع - بلعام بن باعوراء - عالم بني إسرائيل صاحب الدعوة المستجابة الذي خسر الدنيا والآخرة. ومن المسلمات الشرعية أنه لا أحد فوق الحكم الشرعي - أي ليس من موانع التكفير البشت والعمامة واللحية-، فمن وقع في الكفر، وتوفرت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع، فهو كافر بعينه كائنًا من كان ولا كرامة، وانظر إلى بلعام كيف كان من أصحاب موسى إلا أنه لما تنكب الطريق وانتكس أركسه الله وزاده ضلالًا على ضلاله. ونحن مع ذلك ننزل العلماء الربانيين منزلتهم، ونقدرهم قدرهم، ولا نبخسهم حقهم، وإن خالفونا في بعض المسائل الاجتهادية، ولا نقدس العلماء كتقديس الرافضة لمقدميهم، والمتصوفة لشيوخ طرائقهم، فالدليل عندنا هو المقدس، وهو ميزان الحق وغيره تبعٌ له. وأما مقالة"لحوم العلماء مسمومة، وهتك أستار منتقصيهم معلومة"، فلا ينبغي أن تنزل إلا على الربانيين من العلماء، أما سدنة الحكام، ورهبان السلاطين، فهي منهم بريئة، وعن أمثالهم بعيدة، والرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال. إن أعراض العلماء الربانيين والمجاهدين الصادقين- الذين يصدعون بالتوحيد، ويُشَرَدُونَ من أجله، ويُؤسرون عند تبليغه وتبيينه، ويُقَاتِلُونَ لإعلائه، فيَقَتُلُونَ ويُقْتَلُون-لهي أعظم حرمة من علماءٍ رضوا بأن يكونوا أبواقًا للطواغيت، وسدنة للحكام، روى يوسف بن يعقوب عن أشياخه قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اتقوا أذى المجاهدين فإن الله يغضب للمجاهدين كما يغضب للأنبياء والرسل ولا طلعت شمس ولا غربت على أحد أكرم على الله من مجاهد"رواه ابن عساكر مسندًا من حديث علي بنحوه. فعجبًا لزمانٍ غدا فيه القعود عن الجهاد من الحكمة والتأني والرشاد، وغدا الجهاد من الجهل والتهور والحماقة.
الملاحظة الثانية:
فكرة الخلافة، ووجوب البيعة، وأن من لم يبايع له من المجاهدين والجماعات الجهادية، فميتته جاهلية. أقول وبالله التوفيق: هذه الملاحظة هي من الظلم بل من الظلم المحض. وسأبين نبذةً مختصرةً من تاريخ الشيخ أبي مصعب قبل وبعد دخوله العراق حتى يتضح الحق، وبالله التوفيق وعليه السداد. بعد أن خرج الشيخ أبو مصعب من أفغانستان بعد السقوط توجه إلى إيران، ومكث فيها فترة بعيدًا عن أنظار المخابرات، وكان بينه وبين قادة تنظيم القاعدة آنذاك تنسيق وترتيب قوي ووثيق، وبعد أن قامت إيران بحملة اعتقالات واسعة على المجاهدين دخل الشيخ العراق. بقي الشيخ في