ويتابع قائلا في مقدمة الظلال:"وعشت في ظلال القرآن أنظر من عل إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الهزيلة الصغيرة، أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولغة الأطفال، وأعجب، ما بال هذا الناس، ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة". يقول:"وانتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حازم ... أنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة، ولا بركة، ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله، والرجوع إلى الله -كما يتجلى في ظلال القرآن- له صورة واحدة، وطريق واحد ... واحد لا سواه ... إنه العودة بالحياة كلها إلى هذا الكتاب".لقد فرّغ سيد قطب نفسه لخدمة دعوة الإسلام ورسول الأنام صلى الله عليه وسلم، جدد صياغة شريعة السيف للعقول البسيطة بإسلوب يشد النفس ويجذب الروح ويطرب القلب ويخاطب الفطرة ويهز الكيان ويغيّر الجنان فيطلقه ليوحد الديان .. شفع له الرئيس العراقي عبدالسلام عارف بضغط من العلماء وأهل العلم والدعاة. فخرج من السجن وطلب منه مرافقته إلى العراق فاعتذر له بأدب ثم قال لإخوته:"إننا بإسنادنا ولو بالآراء لوضع جاهلي، فإننا نحكم بالإعدام على كل كتاباتنا ضد الطواغيت، وتصبح كلمتنا حبرا على أوراق".بعد خروج سيد:"وفي شهر آب سنة (1965م) وهو نفس الشهر الذي اعتقل فيه أرسلت إليه المباحث واحدا فتسور الدار ودخل ليفتش فأمسكه وأنبه وأدبه، وقال:"إن للبيوت حرمات ألا تعرف أدب الدخول؟، ثم كتب كتابا وأرسله إلى مدير المباحث وقال:"أرسل إلي بشرا ولا ترسل كلابا"، ثم ذهب إلى قسم المباحث، وقال:"جئتكم حتى تعتقلوني". قال الأستاذ سيد قطب لشقيقته حميدة:"إن رأيت الوالد المرشد -وهذا قبل إعدامه بيوم- فبلغيه عني السلام وقولي له: لقد تحمل سيد أقصى ما يتحمله البشر حتى لا تمس بأدنى سوء"،لم يكن عمل سيد لأجل بشر، لكنه رأى أنه يمثل شريعة وأنهم على منهج الشريعة، ولم يكونوا قد تلوثوا بالسياسات فلم يبدلوا أو يغيّروا، فحفظ لهم حقهم وتحمل الأذى كي ينقذ دعوته ليعيشوا في ظلال مناهج الولاء البراء التي تعمّق غراس الإيمان وتحيي بواعث اليقين والإحسان فتحي الدعوات وتعزز الخيارات.