فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 1455

فاحذر الوقوع في ذلك.

وقد عقدتُ في هذا مبحثًا من كتاب"التعالم"أسوقه هنا للحاجة إليه: أسند البخاري في: كتاب الشروط من صحيحه: قصة الحديبية ومسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها وفيها:

وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ماخلأت القصواء وماذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل) الحديث.

قال الحافظ ابن حجر في فقه هذا الحديث: (جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها، لا ينسب إليها، ويُرد على من نسبه إليها، ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، لأن خلأ القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة: صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لعذرهم في ظنهم) اهـ. فقد أعذر النبي صلى الله عليه وسلم غير المكلف من الدواب باستصحاب الأصل، ومن قياس الأولى إذا رأينا عالمًا عاملًا، ثم وقعت منه هنة أو هفوة، فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها والتشنيع عليه بها؛ استصحابًا للأصل، وغمر مابدر منه في بحر علمه وفضله، وإلا كان المعنف قاطعًا للطريق، ردءًا للنفس اللوامة، وسببًا في حرمان العالم من علمه وقد نُهينا أن يكون أحدنا عونًا للشيطان على أخيه. فما ألطف هذا الاستدلال وأدق هذا المنزع، ورحم الله الحافظ الكناني ابن حجر العسقلاني، على شفوف نظره، وفقه نفسه، وتعليقه الحكم بمدركه.

قال الصنعاني - رحمه الله تعالى: (وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب) اهـ.

وقال أبو هلال العسكري: (ولا يضع من العالم الذي برع في علمه: زلة ٌ، إن كانت على سبيل السهو والإغفال، فإنه لم يعر من الخطأ إلا من عصم الله جل ذكره. وقد قالت الحكماء: الفاضل من عُدت سقطاته، وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن يميز خطأهم) اهـ.

وقد تتابعت كلمة العلماء في الاعتذار عن الأئمة فيما بدر منهم، وأن ما يبدو من العالم من هنات لا تكون مانعة للاستفادة من علمه وفضله.

فهذا الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - يقول في ترجمة كبير المفسرين قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117 هـ رحمه الله تعالى بعد أن اعتذر عنه: (ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت