بمصادمة السنن وطبائع الأشياء، فمجرد التحالف مع الأعداء في نظر الشريعة والتاريخ والعقل عمالة وعداء وهباء، لم تنل منهم الأمة إلا الشر والويل والثبور ومساوىء الأمور، وما قدموه من عمل فقد خدموا به أنفسهم ومصالحهم وشهواتهم، وقد خرجت حقيقة مكنونات أنفسهم وطبيعة تصوراتهم وأفكارهم واستعدادهم لخدمة المصالح والأهواء وميل قلوبهم عن مناهج الإسلام وسياساته الثابتة. إن تيار الجهاد هو تيار هدّار يستمد قوته من السماء، لا يرى قوة الأعداء، إنما ينتظر الأمر من السماء وفق سنن الأنبياء، فيتنقل في مراحلة الرضى والبلاء والصبر والجهاد، كانت طبيعة الجهاد هي حروب كر وفر يوم لأهل الإسلام وأيام عليهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟! قال: قوم صالحون في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم"، وفي رواية أخرى:"الذين يصلحون إذا فسد الناس"، وكذلك ورد في رواية:"الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي" (رواه مسلم) . كانوا أكثر ما يتمثلون بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم حين ذهب يوما إلى المقبرة فأخذ عودًا ونكت به في الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وددت لو رأيت إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، للواحد منهم أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله، منا أو منهم؟! قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعوانًا ولا يجدون على الحق أعوانا". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم، للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم"قيل: بل منهم يا رسول الله. قال:"لا بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون عليه أعوانا" (أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجه) .لم يكن لهم عونا إلا عون السماء، ومن قذف الله في قلبه التقوى واليقين والحكمة والفهم. يتنقلون في أطباق السراء والضراء والبأساء، كانوا قد تأهلوا إلى مراحلها جميعها بعون الله تعالى ونصرته ومدده لهم، فهو وليهم سبحانه وتعالى ينصرهم ويعينهم، قد كيفوا أنفسهم لإجتيازعقبات الطريق جميعها، فقد استعذبوا البلاء ورفعتهم الضراء فنظروا للقوم نظرة إشفاق وإزدراء، هم على الطريق ماضون وفي سبيل الله تعالى ما يلقون ينشدون الزهر في الجبال والشوك على المفاوز والقفار.
دنيا المجاهد كلها ... محن لصهر رجالها
الشوك بين سهولها ... والزهر فوق هضابها
يظن الناس أنهم يتمزقون لما يصيبهم من البلاء لكن الله تعالى يبسط لهم من رحمته رضا وعونا وعافية ويقينا ما يهون عليهم المصائب ويجبر