كان ذلك نصرًا بارزًا، لم يكن مقصودًا- ولكن المشاركة العربية كانت السبب
الأساسى في تحقيقه.
خرج بن لادن من جلال أباد وقد خسر عددًا من أبرز ساعديه. و أصيب نائبه
الثاني- ابو حفص - إصابات بالغة. وعاد بن لادن إلى السعودية ولم يعد إلى
الساحة الأفغانية إلا في فترة عابرة في عام 1991 لم يشارك فيها في أى عمل
ميدانى.
ولكن العرب إستمروا في التوافد على جلال آباد بكثافة، وأخذت الحرب هناك شكل
حرب إستنزاف تكبد العرب فيها لعدة سنوات أكبر خسائرهم في كل حرب
أفغانستان وكانت وفق بعض التقديرات 500 شهيد وفى تقديرات أخرى 300 شهيد.
لم تكن الخسارة الأفدح هى خسارة الأرواح بل كانت أفدح الخسائر هو ذلك النمط
الفوضوى في العمل الذى رسخته تجربة جلال آباد.
فقد تكونت الكثير من الجماعات الجديدة، والأمراء الشباب الجدد، وجميعهم يتلقى
معونات سعودية مباشرة من متبرعين معلومين أو مجهولين.
وتميز العمل العسكرى بالنمطية واللاجدوى، وكثرة الخسائر البشرية، وإنعدام
الإنجازات، وعدم وجود خطة من أى نوع.
واستغلت المجموعات الأفغانية العرب أبشع إستغلال، وإستفادات منهم في عملياتها
العسكرية، التى إستحوزوا على ما ينتج عنها من غنائم، وتحمل العرب معظم ما
فيها من تضحيات. كما وتحمل العرب تمويل معظم المجموعات الأفغانية، التى لم
تشغل نفسها بغير الإبتزاز والسرقات. بإستثناء مجموعات قليلة من الأفغان الذين لم
يتمكنوا من تغيير وضع فاسد حتى النخاع. وكانت المخابرات الباكستانية تشرف
على تزكية ذلك الفساد.
أما مجموعات جلال آباد من العرب فقد أنشأت كل مجموعة لنفسها معسكرًا
للتدريب وتوزعت المجموعات حسب العرقيات العربية. وزادت فيها الإنقسامات
وكانت مرتعًا مثاليًا لمختلف أجهزة التجسس العربية، التى زادت كثيرًا من معدل
نشاطاتها في أوساط العرب المضطربة تمهيدًا ليوم توجيه الضربة القاضية التى
كانت أمريكا تجهز لها في نفس العام.
أثناء عمله في الساحة الأفغانية تلقى الدكتور عزام تهديدات عديدة بالقتل. كان أولها
من القائد الأصولى حكمتيار الذى ضايقه إنحياز الدكتور عزام الكامل تقريبًا إلى
سياف وتحويله كميات كبيرة من الأموال إليه. وقد عبر القائد الأوصولى برهان الدين ربان عن ضيقه الشديد من موقف الدكتور عزام، وأن لم يطلق التهديدات مثل
حكمتيار نتيجة هدوئه الشديد ولطف طبيعته. ولم يشذ أحد من قادة التنظيمات عن
حالة التذمر هذه. حتى أضطر الدكتور عزام إلى الإختفاء فترة من الزمن داخل
معسكر صدى الحدودى في حماية سياف.
حاول الدكتور عزام ونجح إلى حد كبير في أن يظهر الإعتدال مع القادة الأفغان
جميعًا من الناحية المذهبية والفقهية، وحاول أن يواجه مغالاة التيار السلفى السعودى