في الوقف:"هذا طَلْحَتْ"، وهي لغة فاشية حكاها أبو الخطاب، ومنه قولهم:"وعليه السلام والرَّحْمَتْ". ومنه قولهم [من الرجز] :
بل جَوزِ تيهاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ
وقال الآخر [من الرجز] :
اللَّهُ نَجَّاكَ بَكفَّي مُسْلِمَتْ ... من بَعْدِما وبَعْدِما وبَعْدِمَتْ [1]
صارت نفوسُ القوم عند الغَلْصَمَتْ ... وكادتِ الحُرَّةُ أن تُدْعَى أَمَتْ
وكلّ ذلك إجراء الوقف مجرى الوصل، فأمّا قوله:"وبعدمت"، فالمراد: بعدما، فأبدل الألف في التقدير هاء، فصارت"بَعْدِمَهْ"، وقد أُبدلت الهاء من الألف. قال الشاعر [من الرجز] :
قد وَرَدَتْ من أَمْكِنَهْ ... من هاهُنا ومن هُنَهْ [2]
يريد"هُنا"، ثمّ أبدل الألف هاءً لتُوافِق بقيّةَ القوافي، وشجّعه على ذلك شَبَهُ الهاء المقدّرة بتاء التأنيث، وكانت هذه اللغةُ من قبيل إجراء الوقف مجرى الوصل.
فأمّا"هَيْهاتَ""هَيْهاتِ"ففيها لغتان: فتحُ التاء، وكسرُها. فمَن فتح جعلها واحدًا، ووقف عليها بالهاء. ومن كسرها جعلها جمعًا، ووقف عليها بالتاء. فأمّا الألف فيمن فتح فيحتمل أمرَيْن: يجوز أنه يكون من باب"الجَأْجَأَةِ"و"الصِّيصِيَةِ"، فتكون مبدلة من الياء، والأصلُ: هَيْهَيَةٌ، فيكون على هذا معكوسَ قولهم لصوت الراعي:"يَهْيَاة". ويجوز أن تكون الألف زائدة، ويكون من قبيلِ"الفَيْفاةِ" [3] . والأوّلُ أوجه؛ لأنّ باب"القِلْقال"أكثرُ من"سَلِسَ"و"قَلِقَ". فأمّا قولهم:"استأصل الله عرقاتهم"، والمراد: أَصْلَهم، فمَن فتح جعله مفردًا، وكانت الألف فيه للإلحاق بـ"هِجْرَعٍ" [4] ، ونظيرُه في الإلحاق"مِعْزًى"و"ذِفْرًى"، فيمن نوّن، والوقفُ عليه بالهاء. ومن كسر جعله جمعًا، وكانت الألف هي المصاحبةَ لتاء الجمع المؤنّث، وليست للإلحاق كالقول الأول، كأنّه جمعُ"عِرْقٍ"، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وقد يجري الوصل مجرى الوقف, منه قوله [من الرجز] :
مثل الحريق وافق القصبا [5]
(1) تقدم بالرقم 792.
(2) تقدم بالرقم 486.
(3) الفيفاة: المفازة لا ماء فيها. (لسان العرب 9/ 274(فيف ) ) .
(4) الهِجْرع: الطويل، والأحمق. (لسان العرب 8/ 368(هجرع ) ) .
(5) تقدم بالرقم 448.