أراد: وما كاد تطيب نفسًا بالفراق، ولا حجّةَ في ذلك لقلَّته، وشُذوذِه مع أنّ الرواية: وما كاد نفسي بالفراق تطيب، هكذا قال أبو إسحاق الزجّاجُ.
قال صاحب الكتاب:"واعلم أن هذه المميزات عن آخرها أشياء مزالةٌ عن أصلها, ألا تراها, إذا رجعت إلى المعنى, متصفةً بما هي منتصبة عنه, ومنادية على أن الأصل: عندي زيت رطل، وسمن منوان، ودراهم عشرون، وعسل ملء الإناء، وزبد مثل التمرة، وسحاب موضع كف. وكذلك الأصل وصف النفس بالطيب، والعرق بالتصبب، والشيب بالإشتعال، وأن يقال: طابت نفسه، وتصبب عرقه، واشتعل شيب رأسي لأن الفعل في الحقيقة وصف في الفاعل. السبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد".
قال الشارح: اعلم أنّك إذا أردت أنّ تُخبِر أنّ عندك جنسًا من الأجناس، وله مقدارٌ معلومٌ: إما كَيْلٌ، وإِمّا وزنٌ، وِإمّا غيرُهما من المقادير، جعلتَ المقدار وصفًا لذلك الجنس لتُوضِحه، وتُبيَّن كَمَّيَّتَه, لأنّ الأوصاف تُوضِح الموصوفين، وتُزِيل إبهامَها، فتقول:"عندي خَلٌّ راقودٌ"، و"ثوبٌ ذِراعٌ"، و"دَراهِمُ عشرون"، ومن ذلك قولُ العرب:"أَخَذَ بنو فلانٍ من بني فلان إبلا مائة". قال الأعشى [من الطويل] :
294 -لَئِنْ كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامَة ... ورُقِّيتَ أَسْبابَ السَّماءِ بسُلَّمِ
294 -التخريج: البيت للأعشى في ديوانه ص 173؛ ولسان العرب 1/ 458 (سبب) ، 13/ 82 (ثمن) ، 14/ 331 (رقا) .
اللغة: أسباب السماء: نواحيها.
المعنى: يقول لمهجوّه إن هجاءه إياه سيناله، ولو لاذ بجب عميق، أو صَعد إلى السماء بسُلَّمِ.
الإعراب:"لئن": اللام: موطئة لجواب القسم، و"إن": حرف شرط جازم."كنت": فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون في محل جزم بـ"إن"، والباء: اسم"كان"محلها الرفع."في جِب": جار ومجرور متعلقان بخبر (كان) ."ثمانين": صفة لـ"جُبّ"مجرورة بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون: عوض عن التنوين في الاسم المفرد."قامةً": تمييز منصوب بالفتحة."ورُقّيت": الواو: حرف عطف،"رُقّيت": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء: فاعل محله الرفع."أسباب": منصوب بنزع الخافض، فالأصل رُقّي في الشيء، أو إلى الشيء وهو مضاف."السماء": مضاف إليه مجرور بالكسرة."بسلم": جار ومجرور متعلقان بـ"رقيت".
وجملة"إن كنت مع الجواب المحذوف": اعتراض بين القسم وجوابه، لا محل لها من الإعراب. وجملة"كنت ="