قال صاحب الكتاب: ومنها"منذ"، وهي إذا كانت إسمًا على معنيين:
أحدهما: أول المدة كقولك:"ما رأيته منذ يوم الجمعة"، أي: أول المدة التي انتفت فيها الرؤية ومبدؤها ذلك اليوم.
والثاني: جميع المدة كقولك:"ما رأيته منذ يومان"، أي مدة انتفاء الرؤية اليومان جميعًا. و"مذ"محذوفة منها, وقالوا: هي لذلك أدخل في الأسمية, وإذا لقيها ساكن بعدها ضمت ردًا إلى أصلها.
قال الشارح: اعلم أن"مُذْ"، و"مُنْذُ"يختصان بالزمان، فلا يدخلان إلا على زمان، فمحلهما من الزمان محل"مِنْ"من المكان. فـ"مِن"لابتداء الغاية في المكان، ولا يُستعمل في غيره. تقول:"ما سرْتُ مِن بغدادَ"، أي: ما ابتدأتُ السيرَ من هذا المكان. و"مُنْذُ"، و"مُذ"لهذا المعنى في الزمان، ولا يُستعملان في غيره. وذهب الكوفيون [1] إلى أن"من"يصلح للزمان والمكان، و"مُذْ"، و"مُنْذُ"لا يصلحان إلَّا للزمان، وتَعلقوا بقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ} [2] ، و"أوّلُ يوم"من الزمان؛ وقد دخلتْ"من"على الزمان، ومنه قولُ زُهَيْر [من الكامل] :
634 -لِمَنِ الدِيارُ بقُنةِ الحِجرِ ... أقْوَيْنَ مِن حِجَج ومِن دَهْرِ
= اللغة: هَدَاه: تَقَدَمه.
المعنى: إن للفتى عملا يهديهِ إلى الرشاد ما دام حيًّا، وأينما كان.
الإعراب:"للفتى": جار ومجرور بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم."عقل": مبتدأ مرفوع مؤخر."يعيشُ": فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره: هو."به": جار ومجرور متعلقان بالفعل"يعيشُ"."حَيث": اسم مبني على الضم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل"يعيش"."تهدِي": فعل مضارع مرفوع بالضمة."ساقه": مفعول به منصوب، والهاء: مضاف إليه محله الجر."قدَمُه": فاعل مرفوع بالضمة، والهاء: مضاف إليه محله الجر.
جملة"للفتى عقل": استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة"يعيش به": صفة لـ"عقل"محلها الرفع. وجملة"تهدِي ساقه قدمه": مضاف إليها محلها الجر.
والشاهد فيه أن الأخفش قال: إِن"حيث"قد تأتي بمعنى الحين كما في هذا البيت.
(1) انظر المسألة الرابعة والخمسين في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ص 370 - 376.
(2) التوبة: 108.
634 -التخريج: البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 86؛ والأزهية ص 283؛ وأسرار العربية =