قال صاحب الكتاب:"ليت"هي للتمني, كقوله تعالى: {ياليتنا نُرَدُّ} [1] . ويجوز عند الفراء أن تجري مجرى"أتمنى", فيقال:"ليت زيدًا قائمًا", كما يقال:"أتمنى زيدًا قائمًا", والكسائي يجيز ذلك على إضمار"كأن". والذي غرهما منها قول الشاعر [من الرجز] :
يا ليت أيام الصبا رواجعا [2]
وقد ذكرت ما هو علته عند البصريين.
قال الشارح:"لَيْتَ"حرف ثلاثيُّ البناء، مثلُ"إنَّ"و"أنَّ"، وحقّه أن يكون موقوف الآخر، إلَّا أنه حُرّك لالتقاء الساكنين، وفُتح طلبًا للخفّة، كأنّهم استثقلوا الكسرة بعد الياء، كما فعلوا ذلك في"أيْنَ"و"كَيفَ". ومعناها: أتَمَنَّى. وتعمل عملَ أخواتها من نصب الاسم ورفع الخبر، نحوَ قولك:"ليت زيدًا قائمٌ". قال الله تعالى: {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ} [3] ، فالنون والألف في موضعِ منصوب بأنّه اسم"لَيْتَ"، و"نردّ"في موضع الخبر. وتقديره: مردودون. وقال سبحانه: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ} [4] ، فالنون والياء في موضع نصب، و"مِتُّ"في موضع رفع، أي: مَيْتٌ.
وقد أجاز الفَرّاء أن تنصب لها الاسمَيْن جميعًا، فقال:"ليت زيدًا قائمًا"، على معنَى"ليت"، فكأنه قال:"أتمنّى زيدًا قائمًا"، أو"تمنّيتُ زيدًا قائمًا"، كأنّه يلمَح الفعلَ الذي ناب الحرفُ عنه فيُعْمِله.
وأجاز الكسائيّ نصب الاسمين معًا، لكن على غير هذا التقدير، وإنّما يُضْمِر"كانَ"، والتقدير عنده:"ليت زيدًا كان قائمًا". قال: لأنّ"كانَ"تستعمل هنا كثيرًا، نحوَ قوله تعالى: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ} [5] ، وقوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [6] ، واعتمادُهم على قوله [من الرجز] :
يا ليت أيّام الصبا رواجعا [7]
فليس على ما تَوهّموه، إنّما هو على حذف الخبر. والتقديرُ: يا ليت أيّام الصّبا
(1) الأنعام: 27.
(2) تقدم بالرقم 147.
(3) الأنعام: 27.
(4) مريم: 23.
(5) الحاقة: 27.
(6) النساء: 73.
(7) تقدم بالرقم 147.