فأمّا قوله تعالى، في قراءة ابن مسعود: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [1] ، فالأشبهُ بالقياس أن يكون"العالم"ها هنا مصدرًا كـ"الفالج"، و"الباطل". فكَأنّه قال:"وفوق كلّ ذي عِلْم عليمٌ"، فالقراءتان في المعنى سَواءٌ. ويجوز أن يكون على مذهب من يرى زيادةَ"ذِي"، فيكون حاصلُه: و"فوق كل عالمٍ عليمٌ". ويجوز أن يكون من إضَافة المسمّى إلى الاسم، أي: و"فوق كلّ شخص يسمّى عالمًا، أو يُقال له: عالمٌ، عليمٌ"؛ وذلك على حد قول الشاعر [من الطويل] :
إليكم ذوِي آلِ النبي تَطلّعتْ ... نَوازعُ من قَلْبِي ظِماءٌ وَأَلْبُبُ [2]
على ما سنذكر في موضعه.
والموضع الثاني: ما اختلف آخِرُه في اللفظ بحرف، وهو"كِلا". اعلمْ أنّ"كِلا"اسمٌ مفردٌ، يفيد معنى التثنية؛ كما أنّ"كُلاًّ"اسم مفرد، يفيد معنى الجمع والكثرةِ. هذا مذهب البصريين [3] .
وذهب الكوفيون إلى أنَّه اسمٌ مُثَنًّى لفظًا ومعنًى. والصوابُ مذهب البصريين؛ بدليل جوازِ وقوع الخبر عنه مفردًا، نحوَ قولك:"كِلَا أخوَيْك مُقْبِلٌ". قال الشاعر [من الوافر] :
97 -كِلا يَوْمَيْ أُمامَةَ يومُ صَدًّ ... وإنْ لم نَأْتِها إلَّا لِماما
(1) يوسف: 76. وانظر: البحر المحيط 5/ 333؛ والمحتسب 1/ 346؛ ومعجم القراءات القرآنية 3/ 185.
(2) تقدم بالرقم 53.
(3) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ص 439، 450.
97 -التخريج: البيت لجرير في ديوانه ص 778؛ وشرح شواهد الإيضاح ص 291؛ ولسان العرب 15/ 229 (كلا) .
اللغة: لمامًا: أحيانًا على غير مواظبة.
المعنى: يريد أنّه يزور أمامة في بعض الأحيان على غير مواظبة، وهي دائمًا تصدّه.
الإعراب:"كلا": مبتدأ مرفوع بضمّة مقدّرة على الألف، وهو مضاف."يومي": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة."أمامة": مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث."يوم": خبر مرفوع بالضمة."صدّ": مضاف إليه مجرور بالكسرة."وإن": الواو: حالية،"إن": وصلية زائدة."لم": حرف نفي وجزم وقلب."نأتها": فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة الجزم حذف حرف العلة، والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره: نحن، و"ها": ضمير متصل في محل نصب مفعول به."إلا لماما":"إلا": حرف حصر،"لماما": حال منصوب بالفتحة.
وجملة"كلا يومي أمامة يوم صدّ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة"وإن لم نأتها إلا لماما": في محل نصب حال.