أوّلها: خذلان الله لعبده حتى عصاه ولو عصمه ما عصاه.
والثانية: أن سلبه حلية أوليائه وكساه لباس أعدائه.
والثالثة: أن أغلق عليه أبواب رحمته وفتح عليه أبواب عقوبته.
والرابعة: نظر إليه وهو يعصيه.
والخامسة: وقوفه بين يديه يعرض عليه ما قدّم وأخّر من قبائحه.
فهؤلاء المصائب الخمس في الذنب أعظم من الذنب.
{بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} قال عكرمة ومقاتل والكلبي: معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقبا يرقبونه بعمله ويشهدون عليه به وهي: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجميع جوارحه وهذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
قال القبسي: أقام جوارحه مقام نفسه لذلك رأت ويجوز أن يكون تأنيثه للإضافة إلى النفس كما تقول في الكلام: ذهبت بعض أصابعه ، و {بَصِيرَةٌ} مرفوعة بخبر حرف الصفة وهي قوله {على نَفْسِهِ} ، ويحتمل أن يكون معناه بل الإنسان على نفسه بصيرة ، ثم حذفت حرف الجر كقوله:
{وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ} [البقرة: 233] أي لأولادكم ، ويصلح أن يكون نعتاً لاسم مؤنث أي بل للإنسان على نفسه عين بصيرة وأنشد الفراء:
كأن على ذي العقل عيناً بصيرة ... بمقعده أو منظر هو ناظره
يحاذر حتّى يحسب الناس كلهم ... من الخوف ولا تخفى عليه سرائره
قال أبو العالية وعطاء: بل الإنسان على نفسه شاهد ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، والهاء في {بَصِيرَةٌ} للمبالغة ، وقال الأخفش: هي كقولك فلان عبرة وحجة ، ودليل هذا التأويل قول الله تعالى: {كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] وقال ابن تغلب: البصيرة والبينة والشاهد والدليل واحد.