أعلم الله - جلَّ جلالُه - أن القرآن منزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولاً ومعنى، لا
كسب له فيه ولا عبارة عنه بلسانه سوى أنه تلقاه، فيخرجه الله على لسانه قرآنًا عربيًا
ليبلغه إلى الناس، يقول الله - جلَّ جلالُه -: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)
أي: على لسانك وألسنة العلماء من أمتك بعدك.
أتبع ذلك قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21)
انتظم هذا الكلام بما عبر عن من تكذيبهم بالرجعة وقلة المراقبة، وإصرارهم
على الكفر وترك التوبة.
نظم بذلك ما هو في معناه قوله - جلَّ جلالُه -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ...(22) . يعني: اليوم الآخر
(نَاضِرَةٌ) .
(إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23) . لما سأل الفاجر (يَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ)
أعلم بما يؤول إليه الأمر.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ(24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) .
الظن هنا بمعنى: اليقين، والفاقرة: المهلكة؛ لأنها تقطع فقار الظهر، يقول: قد أيقنت بالفاقرة نصيبها.
(فصل)
أعلم الله - جلَّ جلالُه - بصدق قيله أن النظر في الحياة الآخرة بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ (22) . أي: ناعمة (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ترون ربكم عيانًا كما ترون الشمس صحوًا ليس دونها"
سحاب، وكلما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيتها ولا تضارون"."
وقال الله - عز من قائل:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ
مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ)ثم قال: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5) .
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) كما قال نوح - عليه السلام -: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) .
وقد تقدم أنه كما جعل في هذه الدار منافع ما هاهنا مقسمة على مطالع
الشمس والقمر ويقيد ما سخرهما بإذن الله وبواسطة الملائكة الشافعين في ذلك،