والتقدير: إذا بلغت الروحُ أو النفس.
وهذا التقدير يدل عليه الفعل الذي أسند إلى الضمير بحسب عرف أهل اللسان، ومثله قول حاتم الطائي:
أمَاوِيَّ ما يغني الثَّراء عن الفتى
إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاق بهَا الصدر ...
أي إذا حشرجت النفس.
ومن هذا الباب قول العرب"أرْسَلَتْ"يريدون: أرسلت السماء المطر، ويجوز أن يقدر في الآية ما يدل عليه الواقع.
والأنفاسُ: جمع نفَس، بفتح الفاء، وهو أنسب بالحقائق.
و {التراقي} : جمع تَرْقُوة (بفتح الفوقية وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو مخففة وهاء تأنيث) وهي ثُغرة النحر، ولكل إنسان ترقوتان عن يمينه وعن شماله.
فالجمع هنا مستعمل في التثنية لقصد تخفيف اللفظ وقد أُمِن اللبس، لأن في تثنية ترقوة شيئاً من الثقل لا يناسب أفصح كلام، وهذا مِثل ما جاء في قوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} في سورة [التحريم: 4] .
ومعنى بلغتْ التراقي: أن الروح بلغت الحُنْجُرة حَيث تخرج الأنفاس الأخيرة فلا يسمع صوتها إلاّ في جهة الترقوة وهي آخر حالات الاحتضار، ومثله قوله تعالى:
{فلولا إذا بلغت الحُلقوم الآية} [الواقعة: 83] .
واللام في {التراقي} مثل اللام في المساق فيقال: هي عوض عن المضاف إليه، أي بلغت روحه تَرَاقِيَه، أي الإِنساننِ.
ومعنى {وقيل مَنْ رَاقٍ} وقال قائل: من يَرْقِي هذا رُقْيَات لشفائه؟ أي سأل أهلُ المريض عن وِجْدَاننِ أحد يرقي، وذلك عند توقع اشتداد المرض به والبحث عن عارف برقية المريض عادة عَربية ورد ذكرها في حديث السَرِيَّة الذين أَتَوْا على حيّ من أحياء العرب إذْ لُدغ سيد ذلك الحي فعَرض لهم رجل من أهل الحي، فقال: هل فيكم مِن راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً.
رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس في الرقيا بفاتحة الكتاب.