وحدّثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سَعدان قال حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه قال: ما سمعت عمر يقرأ قطُّ إلا"فامضُوا إلى ذكر الله".
وأخبرنا إدريس قال حدّثنا خلف قال حدّثنا هشيم عن المُغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ"فامضُوا إلى ذكر الله"وقال: لو كانت"فاسْعَوْا"لسعيت حتى يسقط ردائي.
قال أبو بكر: فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على"فَاسْعَوْا"برواية ذلك عن الله ربّ العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فأما عبد الله ابن مسعود فما صحّ عنه"فَامْضُوا"لأن السَّنَد غير متصل ؛ إذ إبراهيم النَّخَعيّ لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئاً ، وإنما ورد"فامضوا"عن عمر رضي الله عنه.
فإذا انفرد أحدٌ بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسياناً منه.
والعرب مُجْمِعة على أن السعي يأتي بمعنى المُضِيّ ؛ غير أنه لا يخلو من الجِدّ والانكماش.
قال زهير:
سَعَى ساعيا غيْظِ بن مُرّة بعدما ...
تَبَزّلَ ما بين العَشِيرةِ بالدَّمِ
أراد بالسّعْي المضيَّ بِجِدٍّ وانكماش ، ولم يُقصد للعَدْوِ والإسراع في الخَطْو.
وقال الفرّاء وأبو عبيدة: معنى السعي في الآية المضيّ.
واحتج الفرّاء بقولهم: هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله ؛ معناه هو يمضي بجد واجتهاد.
واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:
أسْعَى على جُلّ بني مالِكٍ ...
كلّ أمرِىءٍ في شأنه ساعِي
فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالإنكماش ؛ ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيّته.
قلت: ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العَدو: قوله عليه الصلاة والسلام:"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَون ولكن ائتوها وعليكم السكينة"قال الحسن: أما والله ما هو بالسّعي على الأقدام ، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ؛ ولكن بالقلوب والنية والخشوع.
وقال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك.