وحمل قوم السعي هاهنا على العمل، قال محمد بن كعب: السعي العمل وهو مذهب مالك والشافعي، قال مالك: السعي في كتاب الله العمل والفعل، واحتج بقوله: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 205] ، وقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4] قال: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا بالاشتداد وإنما ذلك الفعل والعمل.
أخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي، حدثنا محمد بن يعقوب أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، وتلا قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] .
ويكون المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بأسبابه من الطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية. وذهب قوم إلى السعي الذي هو سرعة المشي، وروي ذلك عن عبد الله بن الصامت أنه بينما هو يمشي إلى الجمعة سمع المؤذن يؤذن فرفع في مشيه لقول الله {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
وروى عمران بن الخياط أن إبراهيم كان يسعى يوم الجمعة، وهذا كأنه ليس بالوجه لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن آتوها وعليكم السكينة"فنهى عن السعي في الإتيان إلى الصلاة، فدل أن السعي المأمور به في الآية غير هذا الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - . غير أنه يحتمل أن يقال: صلاة الجمعة مخصوصة بجواز السعي إليها للآية، وغيرها من الصلاة تؤتى بالسكينة، والوجه الأقوال المتقدمة.
وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: سعى إذا مشى، وسعى إذا غدا، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد. قال: وقول الله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} أي اقصدوا.
ومعنى {ذِكْرِ اللَّهِ} هاهنا الصلاة المفروضة في قول أكثر المفسرين.