والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر، فهو في حق الإباحة - قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) ، وقوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) ، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه، ولكن على إباحة الاصطياد، أي: اصطادوا إن شئتم، وأتوهن إن أردتم، فكذلك يجوز أن يكون المعنى من قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) على ذلك الوجه، وإذا كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال: فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها، فانشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) .
يعني: التجارة والكسب، قال: البيع؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل اللَّه، لكن قال فيما خرج مخرج الإذن والإطلاق: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، وقال فيما نهى عن ذلك: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) ، وإن كان المراد منهما جميعًا البيع؛ لأن كان يقبح أن يقول: وذروا ابتغاء فضل اللَّه؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره؛ فلا يستقيم أن يقال:"وذروا ابتغاء فضل اللَّه"، فقال هاهنا (وَذَرُوا الْبَيْعَ) ؛ ليلحقه النهي خاصة، وأما الإطلاق والإذن، فإنه يستقيم في البيع وغيره، فقال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، واللَّه المستعان.
وقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) ، يحتمل وجهين:
أحدهما: اذكروا اللَّه كثيرا بألسنتكم وقلوبكم.
والثاني: اذكروا اللَّه بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر اللَّه.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، له أوجه:
أحدها: على رجاء الفلاح.
والثاني: أي: لكي تفلحوا.
والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) من اللَّه تعالى واجب.