هذا، ويكفى في تحقيق هذه المعجزة، ألا يصدر تمنى الموت عن اليهود الذين تحداهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهم الذين كانوا يضعون العراقيل في طريق دعوته .. ولا يقدح في هذه المعجزة، أن ينطق يهودي بعد العهد النبوي بتمني الموت، وهو حريص على الحياة، لأن المعنيين بالتحدي هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي.
والمقصود بقوله - تعالى -: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ التهديد والوعيد. أي: والله - تعالى - عليم علما تاما بأحوال هؤلاء الظالمين، وسيعاقبهم العقاب الذي يتناسب مع ظلمهم وبغيهم. فالمراد من العلم لازمه، وهو الجزاء والحساب ..
وعبر - سبحانه - هنا بقوله: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ ... وفي سورة البقرة بقوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ....
للإشعار بأنهم يكرهون الموت في الحال وفي المستقبل كراهة شديدة.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم بأنهم لا مفر لهم من الموت، مهما حرصوا على الهروب منه. فقال - تعالى -: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ....
أي: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء اليهود الذين يكرهون الموت، ويزعمون أنهم أحباب الله؟ ..
قل لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت: إن الموت الذي تكرهونه، وتحرصون على الفرار منه، لا مهرب لكم منه، ولا محيص لكم عنه، فهو نازل بكم إن عاجلا أو آجلا كما قال - سبحانه - أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ....
فالمقصود بهذه الآية الكريمة إخبارهم بأن هلعهم من الموت مهما اشتد لن يفيدهم شيئا، لأن الموت نازل بهم لا محالة ...
ثم بين - سبحانه - أنهم بعد الموت، سيجدون الجزاء العادل فقال: ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
أي: قل لهم - أيها الرسول الكريم -: إن الموت نازل بكم لا محالة. ثم بعد هلاككم سترجعون إلى الله - تعالى - الذي يعلم السر والعلانية، والجهر والخفاء، فيجازيكم على أعمالكم السيئة، بما تستحقونه من عقاب.
فالمراد بالإنباء عما كانوا يعملونه، الحساب على ذلك، والمجازاة عليه.