فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرَّت وجنتاه، ثمَّ نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم؟ السلاح، السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"أيُّها النَّاسُ! إِنِّي قَدْ أُوْتيْتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ وَخَواتِيْمَهُ، واخْتُصِرَ لِيَ الكَلامُ اخْتِصارًا، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِها بَيْضاءَ نَقِيًّا فَلا تتَهَوَّكُوا، وَلا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُوْنَ".
قال عمر رضي الله تعالى عنه: رضيت بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبك رسولًا، ثمَّ نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال في"القاموس": المتهوك: المُتحيِّر، كالهواك، كشداد، والساقط في هوة الرَّدى.
والهوكة - بالضم: الحفرة.
وهوك: حفر.
قال: والتهوك: التهور والوقوع في الشيء بغير مبالاة.
وفي الحديث إشارة إلى أن من لم يكتف بما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجاء به من الآداب، وأراد أن يخلطه بآداب أهل الكتاب والأعاجم،
وأخلاقهم المناقضة لأخلاق الأنبياء والصالحين، فقد ضلَّ، فإن دعا غيره إلى أخلاقهم وهديهم المذكور فقد أضلَّ.
وأنت ترى أكثر أهل زمانك الآن يرغبون في أخلاق العجم والروم، وعاداتهم، وقوانينهم، وزيِّهم، ويُرَغِبُّون غيرهم فيها، فصدق عليهم ما وعد به النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى تأخُذَ أُمَّتِي أَخْذَ القُرُوْنِ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِراعًا بِذِرَاعٍ".
قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟
قال:"وَمَنِ النَّاسُ إلا أُوْلَئِكَ"؛ أي: ومن الناس المخوف من الأخذ أخذهم إلا فارس والروم.
أما الروم فتقدم التحذير من التشبه بهم في أهل الكتاب.
وأما الفرس فلا بأس أن ننبه على شيء من أخلاقهم وأعمالهم التي ورد النهي عن التشبه بهم فيها - وإن كان لا يمكننا استيفاؤها -.
1 -فمنها - وهو أقبح ما هم فيه: الشرك والكفر، وعبادة النار والأضواء.